آقلام وآراء (219)

من الأرجح ان الزلزال الذي ضرب شمال غرب ايران، واجتازت ارتداداته حدود العراق في اقليم كردستان، قد ايقظ في صدور الكثيرين منا هواجس نائمة، وبعث في دواخلنا مخاوف لا نود التفكير بها، لشدة هول ما قد يقع في بلادنا المبتلاة بالإرهاب والفساد والاستبداد، من خسائر في الانفس والممتلكات، بعد ان اقتربت الزلازل من رقعة العالم العربي، الذي لم يشهد على مدى العقود الطويلة الماضية –والحمد لله- سوى هزات ارضية متفرقة، ادى القليل منها الى ضحايا بشرية لا تزيد حصيلتها على اعداد القتلى والمصابين في حوادث السير.
ولعل البعض منا تحدث الى نفسه، في هذه المناسبة قائلاً؛ ما فينا يكفينا ويزيد، فقد شبعت هذه البلاد من الخراب والدمار والموت الزؤام، فاقت نتائجه المدمرة، في البشر والحجر، نتائج اشد الزلازل عنفاً في تاريخ بني الانسان، فما جرى للعديد من مدن العراق والشام خلال العامين الاخيرين، لا سيما في الموصل والرقة، كان اكبر من اي زلزال حدث في اي مكان، وهو ما يعني ان بلادنا اخذت حصتها الكاملة من الكوارث الرهيبة، حتى وان كانت هذه الكوارث من صنع البشر لا من فعل الطبيعة، التي ما تزال تترفق بنا الى يوم نرجو ان يكون بعيداً.
ومع ان الزلازل لا تعترف بالحدود السيادية، ولا تتوقف عند نوافذ الامن العام ونقاط التفتيش الجمركية، الا ان نفراً من بين ظهرانينا ابتهج علناً، على منصات التواصل الاجتماعي، بما اصاب اطفال وعجائز الايرانيين جراء هذه الهزة الارضية، وراح يفرك يديه استحساناً لما وقع من ضحايا في ذلك البلد الذي لا يكف شره عن العالم العربي حيث تسنى له ذلك، وكأن اولئك الفقراء الذين يعيشون على هامش الارض، بل وعلى هامش الهامش في الحياة الايرانية، هم الذين ارسلوا لنا الحرس الثوري وقوافل الميليشيات الطائفية، واقاموا الهلال الشيعي.
كان كثيراً ان يعرب البعض منا عن سروره بما أوقعته هذه الهزة في ايران، وبلادنا ليست بعيدة عن الصدع الزلزالي، الذي قد يتمخض ذات يوم عن مثيل له هنا او هناك، وكان من المعيب ايضاً الا يميز الكارهون للتدخلات الايرانية في اليمن والعراق والشام، بين شعب لنا قواسم حضارية وثقافية ودينية عريضة معه، وبين طبقة ثيوقراطية حاكمة، ذات نزعة استعلائية وبرنامج توسع امبراطوري فارسي، تسعى الى زعزعة الامن والاستقرار في العالم العربي، وتعيث فيه الانقسامات والفتن المذهبية والحروب الداخلية، والهيمنة على مكة في آخر المطاف.
واحسب ان مثل هذه المشاعر غير المبررة ازاء ايران، حتى وان كانت معبرة عن جروح غائرة في النفس العربية الملتاعة من افعال نظام الولي الفقيه، قد تكون مقبولة تماماً، ومفهومة الى ابعد الحدود، اذا ما عبّرت عن نفسها على اوسع نطاق، لدى حدوث زلزال اعلى درجة على مقياس ريختر، في اسرائيل على وجه الخصوص، خصوصاً واننا في هذه الحالة امام عدو لم نقدر عليه، وقد لا نقدر عليه في المدى المنظور، الامر الذي من شأنه ان يشفي الغليل في الصدور، اذا نقلت شاشات التلفزيون في مستقبل غير معلوم مشاهد موت وذعر ودمار من تل أبيب.
ولمن يتعجلون مثل هذا اليوم، الذي يتمناه الكثيرون بيننا، جهراً وسراً، تقول مصادر الاخبار الاسرائيلية، مؤخراً، ان الجهات ذات الاختصاص في الدولة العبرية تتوقع حدوث هزة ارضية مخيفة في مدى زمني قد لا يزيد على ثلاثة أشهر، مصحوبة بتسانومي في تل ابيب، ينجم عنهما انهيار 28 الف مبنى، وتضرر نحو 290 الف مبنى آخر، الى جانب مصرع 7 آلاف، واصابة 8 آلاف بإصابات بين متوسطة وخطيرة، واكثر من  370 الف اصابة طفيفة، وفضلاً عن ذلك تشريد نحو 170 الف شخص، لن تتمكن مراكز الاستيعاب من تأمين إيوائهم.
يومها، ويومها فقط، فليفرح المقهورون والمكلومون واللاجئون، ممن أمطروا اسرائيل بالدعاء عليها، في الركوع والسجود، ولم يهدأ لهم روع، وقد آن لهم ان يروا يوماً فيها بعد طول انتظار، عندما يشاهدون أمنا الارض وقد انتقمت لهم من عدو طغى وتجبر، وأمعن في قتلهم وتشريدهم دون أن يرف له جفن

الغد.

 

إن اعتبرنا التاريخ مسرحاً تجري عليه فعاليات مصير الأمم، فإن معرفة متى ينبغي التدخل، ومتى ينبغي الانسحاب هي من الأهمية البالغة بمكان. والوجود في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ، وربما الأسوأ من ذلك، أن يكون في السياق الخطأ، يمكن أن يسفر عن الحزن والخسران

قد تكون هذه من بعض الأفكار التي كانت تعتمل في مخيلة رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري والتي، وضعها في الاعتبار عند اتخاذ قراره بالانسحاب، بدلا من التظاهر بممارسة دوره السياسي من دون المقدرة الحقيقية على الاضطلاع بمهام منصبه بأي طريقة فعالة. لقد أدرك الحريري أنه يشغل منصباً سياسياً من دون أي سلطات أو صلاحيات فعلية.
وبصرف النظر تماماً عن السبب الحقيقي وراء استقالة الحريري، فأعتقد أنه كان على حق في قرار الانسحاب من السيناريو الذي يستهدف تحويل لبنان إلى «شبح دولة» مع «شبح الرئيس»، و«شبح لرئيس الوزراء»، و«شبح البرلمان».
ولقد صيغ هذا السيناريو في طهران أوائل ثمانينات القرن الماضي مع إنشاء الفرع اللبناني من حزب الله على أيدي السفير الإيراني في سوريا آنذاك آية الله علي أكبر محتشمي - بور. ولقد تبلورت الفكرة الأصلية للتنظيم في عام 1975 عندما أنشأ آية الله هادي غفاري الفرع الأول لحزب الله في طهران بهدف محاربة الشاه. وبحلول عام 1977 جرى إنشاء الفروع السرية للتنظيم في كل من تركيا والكويت.
وكان الأمل من وراء إنشاء التنظيم هو نجاحه في تجاوز الحدود السياسية، والتي تتمخض في غالب الأحيان عن حوادث التاريخ أو تصميمات الإمبراطوريات الكبرى، واستبدالها بالحدود الدينية. وكان الهدف هو إنشاء أرخبيل من المجتمعات الطائفية الشيعية عبر مختلف بلدان الشرق الأوسط، وربطها ببعضها البعض عبر شبكة من التنظيمات الدينية - السياسية الخاضعة لسيطرة إيران. وكان الأساس الجوهري لذلك هو أنه على مدى التاريخ الإسلامي، كان العنصر الذي يربط الناس سوياً هو الولاء للنسخة المتفق عليها من الدين (أي المذهب) بدلا من المفاهيم السياسية مثل المواطنة أو الجنسية.
وأسفر سقوط شاه إيران واستيلاء الملالي في طهران على مقاليد السلطة في البلاد، عن زخم جديد لتلك الخطة من خلال وضع موارد الدولة في خدمة أهدافها..


ومع ذلك، بات من الواضح وفي وقت قريب للغاية أن تلك الخطة الكبيرة لا يمكن أن تتحقق من دون تدمير، أو على أدنى تقدير، إضعاف هياكل الدول القائمة على النمط الغربي والمعمول بها فعلا في الشرق الأوسط. وكانت الدول المستهدفة تملك بدرجة أو بأخرى جيوشاً قادرة على مقاومة محاولات الاستيلاء الإيراني عليها بالقوة.
وكان هذا بالضبط ما حدث في تركيا، إذ قوبلت محاولات حزب الله للانتشار والتوسع بالسحق الشديد على أيدي الجيش التركي.
==
وفي العراق، كانت محاولة الاستيلاء غير الناضجة من قبل الخميني، من أبرز ذرائع صدام حسين في غزو إيران، وشن الحرب الطويلة التي امتدت ثماني سنوات كاملة.
أما في سوريا، ووفقا لما جاء في مذكرات الجنرال حسين حمداني الذي قاد الوحدة العسكرية الإيرانية هناك، بذل الجيش الوطني كل ما في وسعه للحيلولة دون تمكن طهران من إنشاء قواعد متقدمة خاصة بها في البلاد. ولقد تغير الموقف في سوريا عندما سقطت البلاد في هوة الحرب الأهلية على أيدي الرئيس بشار الأسد، وعمليات القمع الوحشية للاحتجاجات السلمية في بلاده.
ولقد تعلم الملالي الدرس من واقع تجربتهم في إيران.
وبعد فترة وجيزة من استيلائهم على السلطة عبر مجموعة من الظروف شديدة الغرابة، أدرك الخميني أنه لن ينال ولاء الهياكل القائمة في الدول في الوقت الذي يفقد فيه القدرة على تدميرهم بالكلية. وبالتالي، وضع الاستراتيجية التي عُـرفت باسم «الموازاة
لقد أنشأ قوات الحرس الثوري الإسلامي باعتبارها جيشاً «موازياً» للجيش الوطني في البلاد. وأنشأت المحاكم الإسلامية بالتوازي مع محاكم الدولة التي تستند في تشريعاتها إلى قوانين نابليون. ووجد البرلمان الإيراني توأمه في جمعية الخبراء.
وعند تطبيق هذه الاستراتيجية حيال البلدان الأخرى في الشرق الأوسط، اتخذت اسماً جديداً هو «إفراغ المحتوى». وكان لبنان هو المكان الأول الذي اختبرت فيه هذه الاستراتيجية ودخلت حيز التنفيذ.
فلقد أنشأت إيران ميليشيا شيعية لموازاة الجيش النظامي اللبناني. ثم ومن خلال حزب الله أيضا، قامت طهران بتجنيد الحلفاء من بين الطوائف اللبنانية الأخرى، وحولت البرلمان اللبناني إلى وحش من دون أسنان. وفي خاتمة المطاف، نجحت طهران في الدفع بمرشحيها إلى منصب الرئاسة، وضمنت لنفسها حق النقض (الفيتو) في مجلس الوزراء اللبناني. وكان كل ذلك يجر وراءه التكاليف المالية الباهظة.
وفقا للميزانية الإيرانية الوطنية الحالية، فإن إيران تنفق ما متوسطه 60 مليون دولار شهريا في لبنان وحده، وأغلب هذا المبلغ يذهب عبر قنوات حزب الله. ونتيجة لذلك، وكما صرح الرئيس حسن روحاني في خطاب أخير له الشهر الحالي، لا يمكن تحقيق أي شيء في لبنان من دون كلمة إيران الأخيرة
ولقد رجع الفرع اللبناني من حزب الله على إيران بمردود التكاليف التي أنفقت هناك من خلال المحافظة على الآلاف من الضحايا الذين سقطوا في الحرب المصغرة، التي وقعت مع إسرائيل في عام 2006. والأهم من ذلك، الحملة الجارية لسحق القوات المعارضة لبشار الأسد في سوريا.
وفي العراق، عاد المخطط الإيراني بنتائج جزئية. إذ أنشأت إيران هناك ميليشيات الحشد الشعبي، وهي ائتلاف يضم 17 ميليشيا شيعية، إلى جانب قوات البيشمركة الإسلامية (أي المقاتلين الأكراد الموالين لإيران) بهدف موازاة الجيش العراقي الوطني، والقوة العسكرية القائمة لحكومة كردستان العراق المتمتعة بالحكم الذاتي.
كما تمارس طهران أيضا النفوذ السياسي من خلال حزب الدعوة العراقي الشيعي. ومع ذلك، فإن الآمال الإيرانية لتحويل العراق إلى نسخة مكررة من لبنان لم تحظَ بالنجاح المنشود بسبب أن الكثير من الشعب العراقي يزدري الهيمنة الإيرانية هناك، في حين أن آيات الله الكبار في النجف يعتبرون نظام الخميني في طهران بمثابة «العمل البغيض».
كما واجه المخطط الإيراني في سوريا عدة مشاكل بسبب التدخل العسكري الروسي، وعزم الرئيس فلاديمير بوتين على أن يتم تحديد مستقبل سوريا في موسكو وليس في طهران.
وجاءت نتائج المخطط الإيراني في اليمن بنتائج غير كاملة كذلك. فلقد نجح الوكلاء الإيرانيون هناك، الحوثيون، في إنشاء جيش مواز في صورة تنظيم أنصار الله، غير أنهم فشلوا في تقليم أظافر الجيش النظامي الوطني. كما عمد الحوثيون إلى إعادة الرئيس علي عبد الله صالح إلى الظل، ولكنهم لم يفلحوا في التخلص منه تماما. وعلاوة على ذلك، فإن العمل العسكري هناك بقيادة المملكة العربية السعودية قد وجه ضربة قاصمة إلى آمال طهران، بإقامة لبنان ثانٍ على أراضي اليمن. وفي حالة قطر وسلطنة عمان، استخدمت طهران مبدأ «الفنلدة»، من حيث السماح لهما بالاستمتاع بحالة من الهدوء السياسي الداخلي، في مقابل العمل على تقسيم الصفوف العربية وربط الملالي في طهران بالقضايا الرئيسية في بلادهما.
وعندما تولى محمد مرسي الحكم في مصر، حاولت إيران بيع نفس السيناريو إلى القاهرة.
وجاء وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولاياتي إلى مصر حاملاً خطاباً من المرشد الأعلى علي خامنئي. ودعا خامنئي مرسي في ذلك الخطاب إلى «حل» الجيش المصري، وإنشاء قوة عسكرية موازية مهمتها «حراسة الثورة المصرية». ولم يُفلح المخطط الإيراني المقترح على الإطلاق بسبب، كما يقول ولاياتي وخامنئي، أن محمد مرسي رفض المقترح، أو أن الجيش المصري استبق ذلك.
ربما تعتبر استقالة سعد الحريري إشارة إلى أن العرب لم يعودوا مستعدين لمجرد التجهم، وتحمل الأمر أثناء محاولة إيران تفكيك هياكل الدولة، من خلال خلق الصورة الموازية للجيش الوطني، وتحويل الحكومات إلى دمى تتلاعب بها عبر الخيوط الممتدة إلى السفارة الإيرانية العاملة في البلاد.
قد يكون المخطط الإيراني لبسط الهيمنة على الدول العربية قد بلغ منتهاه، وبدأ التقدم السريع للملالي في طهران بالتراجع والتقهقر للوراء. ومن شأن ذلك أن يعني عودة الحدود السياسية والولاءات القائمة على أسس المواطنة، وليس على أسس الطائفية الدينية

الشرق الأوسط

كشف الكاتب ​البريطاني روبرت فيسك​ تفاصيل مثيرة لاستقالة ​رئيس الحكومة​ اللبنانية ​سعد الحريري​، معتبرا أن هذه الاستقالة "ليست كلها كما تبدو 

وقال فيسك في مقال نشر في صحيفة "الإندبندت" البريطانية أمس الخميس: "عندما هبطت طائرة سعد الحريري في ​الرياض​ مساء 3 نوفمبر، كان أول ما شاهده هو مجموعة من رجال الشرطة السعوديين المحيطين بالطائرة، وعندما صعدوا على متنها، صادروا هواتف محمولة منه ومن أفراد حرسه الشخصي. وهكذا تم إسكات رئيس الوزراء اللبناني

وأضاف:"في يوم الجمعة 3 نوفمبر، كان الحريري في اجتماع في بيروت، ثم تلقى مكالمة هاتفية، طُلب فيها منه رؤية العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز​، فتوجه الحريري على الفور إلى ​السعودية. فأنت لا ترفض رؤية الملك، حتى لو رأيته قبل أيام قليلة، كما فعل الحريري

وتابع فيسك أن "الأمور الأكثر استثنائية كانت قادمة: الحريري يقرأ من نص مكتوب على ​قناة العربية​.. ويعلن استقالته من منصبه كرئيس للوزراء في لبنان. وقال إنه كانت هناك تهديدات ضد حياته، وإنه ينبغي نزع سلاح ​حزب الله​ وإنه أينما تدخلت ​إيران​ في ​الشرق الأوسط​، كانت هناك فوضى

 ولفت فيسك إلى أن هذه لم تكن كلمات راجت على لسان الحريري من قبل"، وبعبارة أخرى "إن الخطاب قد كُتب له وقالوا له إقرأ

ونقل الكاتب البريطاني عن مصادر قريبة من الحريري، أن من يتصل به في منزله في الرياض، لا يسمع منه سوى بضع كلمات: "سأعود" أو " أنا بخير"، فقط تلك الكلمات، وهذا خلافا لعادته تماما". وذكّر فيسك بأن زوجة الحريري وعائلته مقيمون في الرياض، فحتى لو عاد إلى بيروت، سيترك "رهائن" وراءه.

ووفقا لفيسك، فإنه لم يكن لزيارة الحريري الأخيرة إلى الإمارات، انطلاقا من الرياض، أي مبرر آخر، سوى "الإثبات أنه لا يزال حرا في السفر

واعتبر فيسك أن الحريري لم يكن يتوقع بالتأكيد ما حدث له. في الواقع، كانت له اجتماعات مقرر عقدها في بيروت يوم الاثنين، مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وسلسلة من المناقشات حول تحسين نوعية المياه، "وهذا ليس بالضبط ما يفعله رجل خطط للاستقالة من منصبه 

ولفت الكاتب، إلى أن "الكلمات التي قرأها - التي كتبت له - تتماشى تماما مع خطابات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ومع الرئيس الأمريكي ​دونالد ترامب، الذي يتحدث عن إيران بنفس الغضب

وربط فيسك استقالة الحريري بالحملة الواسعة النطاق لمكافحة الفساد التي تشهدها السعودية منذ 4 نوفمبر، والتي يستهدف فيها الأمير محمد بن سلمان، بحسب الكاتب، تدمير خصومه السياسيين في الداخل، والتمهيد لمواجهة حقيقية مع إيران في المنطقة، قد يكون من متطلباتها إسقاط الحكومة اللبنانية لإخراج حزب الله منها، وإعادة إشعال حرب أهلية في لبنان.

المصدر: الاندبندنت

من الطبيعي أن تظهر بعض الأحزاب وتختفي، من دون أن يشعر بها أحد، وهذا ينطبق على الأردن كما على غيره، ولكن أن يندرج هذا الأمر على حزبين يمثلان تيارين سياسيين أصيلين يعتبران من أعمدة المفرز السياسي، بعد الانفتاح على الحياة الحزبية في العام 1989، فهذا أمر ينبغي الوقوف عنده بتمعن، ودراسة أسبابه وطرح الأسئلة في جوهر هذا التغيير، فالمعروف أن العودة إلى الممارسة السياسية في الاْردن، بعد انقطاع دام عقدين ونصف العقد، أظهرت أربعة تيارات سياسية أساسية، أولها القومي، والذي اضمحل أو كاد، ولم يبق منه غير بعض الهياكل التنظيمية الموزعة على عدة أحزاب، فقدت جوهر دورها بعد انهيار حكومة البعث في العراق، وزادت من محنتها أيضاً الأحداث المأساوية في سورية، ويكاد أن يقتصر دور هذا التيار على بعض التظاهرات. التيار الثاني هو اليساري، والذي تلاشى دوره تقريبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، إذ فقد المقدرة الفعلية للإجابة على التساؤلات الكبرى التي طاردته بها جماهير الناس.
أما التياران المهمان اللذان أعني: الإسلامي، ويتمثل بالإخوان المسلمين، وذراعه السياسي حزب جبهة العمل الإسلامي. والثاني التيار المحافظ الوسطي، وممثله الحزب الوطني الدستوري. وقد كان التيار الإسلامي، على الدوام، جزءا من مسيرة الدولة الأردنية عبر تاريخها. وكان يحظى برضاها وتسهيلاتها، لتمارس أعماله جمعية أهلية، ولكن بنشاط سياسي.

 ثم تغير الحال، وانقلب الغرام إلى مخاوف وشكوك، مع انطلاقة الربيع العربي. وعلى الرغم من أن هذا التيار احتفظ بتمسّكه بإصلاح النظام، من دون تغييره، مع تنفيساتٍ، في بعض الأحيان، فإن هذه الاستراتيجية قابلة للتغيير، إذ لم يحصل هذا التيار على تنازلاتٍ لصالحه، تمسّ جوهر العملية السياسية، وتتجلى بمكاسب حقيقية، يمكن أن تزحزح الحالة السياسية الأردنية عن حالتها الراسخة. وقد بلغت هذه الرغبة ذروتها مع وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، وحركة النهضة الإسلامية في تونس، وتقدّم الإسلاميين في ساحات التغيير العربي. هنا وصلت العلاقة مع السلطة إلى حدّ القطيعة، ولأول مرة في تاريخها.

ومع ذلك، وعلى الرغم من التضييق، لم تبادر الدولة إلى حظر هذا الحزب، وما لم يكن في الحسبان قد حصل، فجاءت نتائج الربيع تبدو كابوسا لكثيرين ممن تفاءلوا بها، أو راودتهم لحظة أن الحال المر قيد التغيير، فها هي الدولة العميقة تستعيد المبادرة، وتعيد حظوظها من جديد. ففي مصر سقط حكم "الإخوان". وفي تونس لم تستطع العملية السياسية التقدم. وفي سورية، بادر النظام الى الانقضاض بعنف على المعارضة.
وانعكس ذلك كله بشكل مرّ على الحركة الإسلامية في الأردن. فجأةً تصبح بمواجهة الحكومة، من دون سواتر دفاعية وبأوراق مكشوفة، بين الطرفين، فما العمل، هل تنتقم الحكومة، وتلبي مطالب المحيط العربي المستجدة بالتضييق على التيار الإسلامي حد الاختناق. هذا لم يحصل، وإنما تم استثمار اللحظة حكومياً، بالتخلص من بعض "الشوائب" الإخوانية، قطع الصلات بين "الإخوان" وحزب جبهة العمل الإسلامي، قطع الارتباط مع التنظيم العالمي، أردنة الحركة.

أما إخوانياً، وتحت ضغط المرحلة، فقد حصل هذا وأكثر، بحيث تراجعت الحركة عن مقاطعة الانتخابات بأنواعها كافة. بدأت على الملأ تناقش مفهوم الدولة المدنية، ما أدى إلى انقسامات عديدة داخل بنية هذا التيار، أضعفته ربما، لكنها من دون شك أدت إلى تغيرات جوهرية في بنيته، جعلته مختلفاً تماماً عن ذلك التيار الذي تعاملنا معه عقودا طويلة. ونلحظ أن التيارات الثلاثة السابقة خضعت، في عملية نشوئها وتغيرها، لعوامل خارجية بحتة، وكان العامل الداخلي ثانوياً في أغلب الأحيان، فهي ارتبطت بأيديولوجيات عابرة للجغرافيا الوطنية، وكذلك لمحدّدات سياسية غير داخلية. ولأجل ذلك، لم يرتبط ضعفها أو قوتها بالمحدد الداخلي.
أما التيار الرابع فهو في صميم العملية السياسية الداخلية، والمقصود التيار المحافظ الوسطي، والذي كان يمثل الدولة، بتياراتها وأجهزتها، وكان يحظى برعايتها ودعمها، بل كان جُل أعضائه من رجال الدولة السابقين والحاليين. وكانت الدولة تحاول من خلاله أن تلغي، من ذاكرة الناس، أي خوفٍ من عواقب الانتماء أو التعاطف مع أي حزب، وأنها (الدولة) ألغت فكرة تحريم الحزبية، وذلك بأن أوجدت الانطباع بأن لها حزبها. وشارك التيار، وتمثل في كل ما له علاقة بالعملية السياسية، وحظي بدعم الدولة في كل المراحل، وكان مخلصاً أميناً لها، ولكننا نرى الحزب الممثل له يحل نفسه، فما الذي جرى؟ هل تغيرت الدولة أم الحزب؟ وهل فشلت التجربة؟ وأين الخلل؟
نعم، فشلت التجربة ولكن لماذا؟ فَلَو عدنا إلى السبب، سنجده مركباً، فآلية صنع القرار السياسي في الاْردن، وعلى اعتبار أن الغاية لأي حزب هي الوصول إلى السلطة، فإن موقع الأحزاب، من المحدّدات الرئيسية في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بعيد جداً عن المكان الذي قد يجعله مؤثراً. هنا إذاً النقطة الأساسية، فالغاية من وجود الحزب غير متحققة. وبالتالي، تقبع مكانته في الشكل البعيد عن أي تأثير، بمعنى أنه وجود ديكوري تكميلي، يفقد قيمته، بعد أن تنتفي الحاجة إليه.

وهذا ما حصل تماماً، بحيث برزت الآن تيارات اجتماعية وسياسة جديدة أكثر جدوى للدولة، لكي تتحالف معها، باعتبارها زبونا جديدا يرعى إطلالتها على الناس، ممثلة ديمقراطية شكلية، ولكن بوجه اقتصادي بحت. لاًجل ذلك، كانت النهاية محتومةً، حينما رفعت الدولة غطاءها ودعمها عن هذا التيار، وتستبدل بدعمها تيارا نيوليبراليا، يؤمن فقط بالمحدّد الاقتصادي للمشاركة السياسية. أما الحزب فلم يستطع أن يغير عادته الأصيلة، في كونه حزب الدولة، وأن ينتقل من حضنها إلى أحضان المجتمع، وأن يرسخ قناعة مختلفة عن التي تقول إن العشيرة وحدها القادرة على التعبير، وحماية المصالح للمجتمع. بل وعلى طول فترة مزاولته العمل السياسي، احتضن هذه الفكرة، وعمل من خلالها، بل ولم يلحظ سرعة انزياح الطبقة الوسطى إلى مستوى الطبقات الفقيرة، وهي بالطبع الحامل الحقيقي لاًي فكرة. بل ولم يلحظ أن جزءا من هذا التغير كان نتيجة التغيرات الديمغرافية السريعة للمجتمع الأردني، بنتيجة الهجرات والظروف المحيطة، الأمر الذي أوجد فئات اجتماعية غير متيقنة من حقيقة مصالحها، الأمر الذي أسقطها في فخ الأيديولوجيات.
غاب ذلك كله تماماً عن صناع القرار في هذا الحزب. لأجل ذلك، كان انتحاره علانية هو وصوله إلى لحظة حقيقة أنه فشل في أن يقدم للأردنيين الراغبين في حزبٍ يبعدهم عن الأيديولوجيا، ويقربهم من مصالحهم، وهكذا كان الانتحار فجًّا. ولكن، هل من عِبر؟

يا إلهي أخبار قادمة من السعودية!! إنه أمر معجز للتحليل! فقد نشأنا على صورة بلد لا يتغير إلا بتدخل ملك الموت الذي يغير رأس النظام ويترك الجسم سليما، ثم نعود إلى الهدوء التام. لا خبر يأتي من هناك، إلا أن يكون تدخل السعودية في معركة بين العرب تصب فيها نارا على زيت؛ لينتشر قتار الأرواح المحروقة في الرقعة العربية. حتى أن البعض منا يحمد الله على أنه ليس بلدا جارا لآل سعود، فلا أحد في الخريطة العربية أمن بوائق هذا النظام.

استثناء وحيد في صورة البلد الجامد في المدة الأخيرة.. هو نشاط محموم لتعطيل قطار الربيع العربي. بدا للبعض هذه الأيام أن القطار قد وصل محطته السعودية، وهو بصدد تحطيم الحواجز واقتحام كهوف الفتوى والمال والموت المستقر. ولا يسألنني أحد عن محطته الأخيرة. فالتفاؤل لا يطلب حجة عقلية غالبا. دعونا نسمع انكسار الصيني الرفيع، فقد دخل الفيل حانوت الفخار. ولا أراه هاربا أمام قطار الربيع العربي.

ولأن الأخبار كثيرة والجميع يكررها متشابهة، فإني سأستمع إلى صدى ما يجري خارج هشيم المكان المكسور.

المواطن العربي وآل سعود

ليس لآل سعود أصدقاء أو أوفياء بين العرب.. هذا جزم ينكشف من خلال متابعة التحليلات والتعليقات الجارية في مختلف الوسائل. حتى الذين تدبروا عقود عمل مجزية هناك؛ كتموا هوانهم إلى حين عودة، ثم انفجروا لاعنين.. لقد كانوا يعاملون كعبيد جياع يتسوّلون كرما وصدقة.

أسباب الشماتة ليست فردية، فالعرب ضحايا. ولن نفلح في ترتيبهم بحسب درجة الألم، لقد خربت السعودية؛ مصر والعراق واليمن ولبنان، وقبضت ثمن فلسطين منذ ما قبل مؤتمر فاس سنة 1981 وإعلان مبادرة التطبيع أو الخطة العربية للسلام.

رأى العرب الفقراء المال السعودي يسيل أنهارا في كل بقاع العالم، وطمعوا في الاعتماد عليه لتنمية بلدانهم، لكن المال السعودي وصل منّا وأذى وشراء ذمم وولاءات للنخب السياسية، ليكون صمتها كاملا إزاء الفساد الكوني.

أفسد السعوديون على المسلمين دينهم؛ بما بثوه من تشدد فقهي يتعلق بالعبادات والمعاملات. ورغم أن العرب خاصة كانوا يرون التناقض بين التوجيهات الدينية الصادرة من هناك وبين سلوك آل سعود والكثير من شعبهم، إلا أنهم واصلوا ذلك حتى اللحظة؛ مقدمين صورة واحدة للمتدين المتزمت المنغلق المتمسك بالشكليات الخارجية للتعبد، كفتاوى طول اللحية ونوع جلابيب الصلاة، فضلا عن فتاوى طاعة السلطان ولو في معصية الله، وهي الأخطر من كل الفتاوى. ويمكن أن نعدد الكثير من مظاهر تأثير السعودية في عقول المنطقة بواسطة مالها ونموذجها السياسي. الشارع العربي المقهور، خاصة لما فعلته السعودية بالربيع العربي، يفسّر ما يجري بالانتقام الإلهي (وهو تفسير عاجز وغير علمي)، ولكنه نتيجة مباشرة للتدين "المتخلف" الذي نشرته السعودية.

لا نعتقد أن لهذه "الشماتة الشعبية" العربية غير العقلانية صدى في الداخل السعودي، ولكن العقلاء المتبقين هناك سيدركون الآن حجم الفجوة التي حفرها نظامهم بينهم وبين شارع عربي لا يملك لهم أية ذرة تعاطف.

مصير البيت السعودي

خارج "الشماتة الشعبية" غير ذات الأثر على الوضع الداخلي، هل يمكن القول إن الربيع العربي قد وصل لنجد والحجاز؟ هذا السؤال يخفي تفاؤلا متولدا من نفس الشماتة، وهو لذلك غير واقعي. لا تتوفر السعودية على أسباب الربيع العربي ولا وسائله. فالظلم الماحق الذي أضر بالكثيرين خلق فئات مستفيدة ليس من مصلحتها تغيير جذري في البلد. لذلك، فإن الزوبعة تجري في داخل البيت ولا تمس الكثيرين، وسيجد الناجون من المذبحة الجارية وقتا ومالا لتوزيع ترضيات كافية لإعادة توليف شرعية مماثلة لما فعله الملك عبد الله سنة 2011، عندما قطع فترة نقاهته في المغرب وعاد سريعا؛ ليوزع أموالا أسكتت بوادر احتجاج غير جدية وبها بعد طائفي (منطقة الشيعة خاصة).

مهما كانت الأزمة الاقتصادية التي يصفها البعض بكثير من المبالغة، فإن البلد يتوفر على ثروة طائلة بعد، ويمكنه توزيع الأعطيات الكفيلة بإسكات شارع تعوّد الأعطيات في الأزمات. شارع مرفه ومغسول الدماغ بفتاوى طاعة السلطان، فلا نقابات تقوده، ولا أحزاب ولا نخب مسيسة. وقد استبق الملك الشاب (الحاكم الفعلي) كل الضربات بتوجيه ضربة لطائفة من العلماء المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين أو لديهم نوايا إصلاحية سلمية من داخل البناء الفكري الديني المحافظ، وهم الوحيدون الذين كانوا قادرين على بث فكرة تغيير واسعة (لا أتحدث هنا عن ثورة فالثورة حرام).

وهي الضربة الأشد قوة من كل الضربات، فما فُعِل بأفراد العائلة سيظل محدود الأثر على الشارع؛ لأن الأسرة، وإن تمزقت مؤقتا، فهي ما زالت تحكم بقوة، والأجهزة الردعية جميعها صارت بيد واحدة لا يمكنها أن تصفع أختها، حتى وإن لم تصفق معها مؤقتا.

الأمير يتمتع بحماية تضمن نجاحه

ما كان للأمير أن يقدم على ما أقدم عليه لو لم يكن يتمتع بحماية قوية من الراعي الأمريكي للإصلاحات وبنسقها المتسارع والزلزالي. جمود الأسرة يزعج الأمريكان، ولكن اضطراب المملكة واهتزاز دورها في المنطقة يزعجهم أكثر، وليس لديهم عندها بديل قوي يمكن أن يقوم بنفس الدور، لذلك فهم ينشدون تغييرا في مربع الأسرة فقط، وقد وجدوا أو صنعوا رجلهم بعناية، وهم يسندونه بقوة بواسطة المعلومات الاستخبارية، وربما التدخل المباشر إذا اقتضى الأمر ذلك، فالأساطيل ليست بعيدة.

وإلى جانب الأمريكان، ينتظر الصهاينة تطبيعا علنيا مع أقوى الأنظمة العربية في الساحة الآن. لقد ضمن لهم النظام السعودي مصر السيسي، ولكن ذلك غير كاف، لذلك يطلبون المزيد. والتطبيع العلني هو أكبر مكسب يحصل عليه الكيان منذ تأسيسه، فلن يبقى بعد السعوديين نظام عربي لا يطبع (سيكون ذلك بمثابة فتوى تفتح الباب لبقية العرب ضعيفي الإيمان). من أجل ذلك، أعتقد أن الصهاينة سيضعون كل خبرتهم و(ثقلهم في الولايات المتحدة) في خدمة الملك القادم ليستقر له الأمر، فيكمل ما بدأه من تطبيع. إنهم يرونه يفعل ويتقدم في كسر العائلة الجامدة (بقوة الفتوى)، وهم يحسبون الآن مكاسبهم القادمة والثمن المدفوع، وسيكون الثمن قليلا مقارنة بالمكسب.

سينتبه الجميع بعد أيام قليلة إلى وجود نخبة سعودية متأمركة تربت في الجامعات الأمريكية في العقدين الأخيرين بمال الدولة، وسيقرأون موقفها ودورها بأنها تتحرك الآن في الظلام وبيدها برنامج حكم.. لقد فتح لها الملك باب الرقص الحداثي.

سيقول بعض المتفائلين بالربيع العربي: لا تهوّن من شأن ردة فعل شعبية رافضة لما يجري. وسأرد بكثير من الواقعية المليئة بالمرارة.. لقد أمكن لأنظمة مسنودة من الصهاينة شراء شعوب أفقر بثمن أقل مما قد يدفع هناك. لقد أمكن لحفنة من العسكريين إخضاع 100 مليون مصري بسهولة لم يمكن توقعها، والصهاينة يرون ويفرحون ولا يدفعون الثمن، بل يجنون الغنيمة فقط.

وإذا كان الربيع العربي قد انكسر في البلدان ذات المجتمعات المدنية المبنية، فالأصوب أن لا يدخل بلدا لا يزال تعيش أغلب قبائله في القرون الوسطى، ولم تغير إلا مراكيبها؛ من الناقة إلى الهامر.

سيقول البعض أيضا أن العائلة انكسرت، ولن يجد الملك الجديد سندا منها. ولكن عدد الأمراء أكثر بكثير ممن اعتقلوا، وهي فئة فاسدة وتخاف أن يطالها العقاب، لذلك ستسارع إلى التخلي عمن اعتقل أو صودرت أمواله، وتبايع بأقل الأضرار، بل لعلهم يفرحون بأن ضرب الرؤوس الكبيرة يسمح للرؤوس الصغيرة بالتمدد. ( بعض المضروبين ليسوا من العائلة، وإبعادهم غنيمة للجميع).

ثورة شعبية في السعودية يا إلهي لست الوحيد الواهم.. لقد حدثت ثورة واحدة في تاريخ تلك المنطقة، وقد قادها نبي مرسل، ثم انقطع الوحي وانقطعت الثورة هناك. بقية التغييرات في نجد والحجاز حدثت فيها لمدة 15 قرنا بفعل خارجي، بما في ذلك إيصال آل سعود للحكم. والخارج القوي الآن لا يريد التغيير الذي يعصف بالمملكة ودورها، لذلك فانتظار معجزة ثورة في نجد والحجاز هي أضغاث أحلام. دعونا إذن نستمتع بموسيقى انكسار البورسلان تحت أقدام الفيل. سيكون لديه مال كثير لتجديد طقم الصيني الفاخر. يوم القيامة السعودي شهوة عاجزة.

 

 كانت ليلة السبت ليلة حافلة بالنسبة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. لقد تفوق وريث عرش المملكة البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاما على نفسه في تلك الليلة، وتجاوز المستويات العليا من الفوضى والمآسي الإنسانية التي جنتها يداه حتى الآن بوصفه وزير الدفاع الذي أطلق الحملة العسكرية الجوية على اليمن.

بدأت سلسلة الأحداث المتعاقبة باستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بعد ما لا يزيد على عام واحد من تقلد منصبه. والمحير في الأمر أن الحريري أعلن استقالته من رئاسة الوزراء اللبنانية انطلاقاً من العاصمة السعودية الرياض، حيث قرأ بيانا شديد اللهجة اتسم بالعداء السافر لكل من حزب الله وإيران، وبأسلوب لم يعهد عنه منذ سنين.

ادعى الحريري في خطابه المتلفز بأنه بات يخشى على نفسه من الاغتيال، وهو تخوف لم يعبر عنه قبل أيام معدودة حينما وقف يلتقط صور "سيلفي" مع العاملين في المطار يوم أن غادر لبنان في حالة من المرح والتفاؤل

  ظن الحريري أنه نجا من الضغوط التي مورست في العام الماضي على شركة الإنشاءات التابعة له، سعودي أوجيه، والتي كانت تواجه الإفلاس، وبدا كما لو أن لقاءه مع وزير الدولة السعودي للشؤون الخليجية ثامر السبهان قد مر بسلام

غرد السبهان بعد اللقاء قائلا بأن الاثنين اتفقا على "كثير من الأمور ذات الاهتمام المشترك". إلا أن لهجة الوزير ما لبثت أن تغيرت سريعا بعد استقالة الحريري حيث غرد هذه المرة قائلاً: "يجب أن تبتر أيادي الغدر والعدوان"، في إشارة إلى حزب الله وإيران

إلا أن المغرد السعودي المجهول والمطلع بشكل جيد، والذي اشتهر باسم "مجتهد"، استبعد نظرية أن الحريري استقال بسبب خشيته من التعرض للاغتيال على يد الإيرانيين، جازماً بأن رئيس الوزراء اللبناني كان يواجه تهديداً أكبر من قبل تنظيم الدولة الإسلامية

وقال "مجتهد" إن الحريري خرج منشرحا وبمعنويات عالية من محادثاته الأخيرة مع علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للشؤون الدولية

وكتب "مجتهد" في إحدى تغريداته عبر "تويتر" يقول: "السبب الحقيقي لإعادته للرياض هو حشره مع الأمراء ورجال الأعمال الموقوفين لهدف ابتزازه واستعادة الأموال التي لديه في الخارج وليس مرتبطا بلبنان

وأضاف في تغريدة أخرى: "والبيان الذي قرأه كُتب له وليس مقتنعا به ولا بمحتواه ولا هو مقتنع بإعلان الاستقالة من الرياض فكيف يعلن زعيم سياسي استقالته من عاصمة دولة أخرى؟

أما حسين شيخ الإسلام، مستشار وزير الخارجية الإيراني، فبدا متوافقا مع "مجتهد" فيما ذهب إليه، حيث اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي بالضغط على الحريري حتى يستقيل، حيث قال: "لقد تمت استقالة الحريري بتنسيق بين ترامب ومحمد بن سلمان لإشعال التوتر في لبنان وفي المنطقة

  ويوم الأحد رد حسن نصر الله، زعيم حزب الله، بهدوء على خبر الاستقالة، محملا السعوديين المسؤولية عن ذلك، واصفا الاستقالة بأنها انتهاك للسيادة اللبنانية وعدوان سافر على "كرامة الحريري". والملاحظ أنه أشار إلى الحريري في كلمته بعبارة "رئيس وزرائنا" ولم يقل "رئيس وزرائنا السابق

إذا ما جمعنا كل هذه التصريحات فسنجد سياقا يصعب معه الاستنتاج أن الحريري حينما غادر لبنان كان ينوي الاستقالة، بل الأغلب أنه هو ذاته لم يكن يعلم بأنه سيستقيل، ما يرجح نظرية أن السعوديين هم الذين فرضوا عليه الاستقالة. إلا أن معلوماتي الخاصة تفيد بأنه لم يتعرض للاعتقال

جاء الحدث الثاني مدويا فعلا بعد ساعات قليلة من خطاب الحريري المتسم بالعدوانية، حيث سقط صاروخ بعيد المدى أطلقه المتمردون الحوثيون على بعد آلاف الكيلومترات في اليمن في منطقة قريبة من مطار الرياض شمالي العاصمة السعودية. زعم السعوديون أن دفاعاتهم اعترضت الصاروخ في الجو ولكن وردت تقارير عن مشاهد من الاضطراب والهلع على الأرض

حتى تلك اللحظة كان الحوثيون يستهدفون في العادة مدينة جدة، أما أن تستهدف العاصمة بصاروخ بعيد المدى فكان ذلك بمثابة رسالة واضحة للسعوديين من وكيل الإيرانيين في اليمن نصها: "كلما ضغطتم على حزب الله فسوف نضغط عليكم في الرياض

الميكارثية تعود من جديد

 

وأما الحدث الثالث الذي قض مضاجع الكثيرين في تلك الليلة فكان قد أعد له بشكل جيد. كان سقوط الأمير متعب بن عبد الله متوقعاً على نطاق واسع. كان متعب يتولى مسؤولية القوة العسكرية الثالثة في المملكة بينما كان محمد بن سلمان قد استولى على وزارة الدفاع ثم وزارة الداخلية (بعد أن خلع ابن عمه محمد بن نايف). وكانت فقط مسألة وقت قبل أن ينقض ابن سلمان على متعب ليحكم بذلك سيطرته التامة على جميع التشكيلات المسلحة داخل المملكة

  جرت العادة تاريخيا على أن يجند منتسبو الحرس الوطني من داخل القبائل المنتشرة في أنحاء المملكة. ويوم الأحد جُمدت الحسابات البنكية لمشائخ القبائل التي تشارك في الجيش وفرض حظر على سفر المشائخ البارزين منهم. ينحدر هؤلاء بشكل رئيسي من قبيلتي مطير والعتيبة، وهم معروفون بولائهم للملك الراحل عبد الله. لا يخفى أن الهدف من هذا الإجراء هو سد الطريق على أي محاولة للتمرد أو الانشقاق

لم يخطر ببالنا أن انقضاض محمد بن سلمان على متعب سيكون بهذه الدرجة من التوحش، فقد ألقي القبض عليه وعلى شقيقه تركي بتهمة الفساد، وكانت أول المعلومات عن توقيفهما قد وردت في إشارات صادرة عن الديوان الملكي استخدمت فيها الأحرف الأولى من اسم متعب بن نايف الذي قيل إنه متورط في قضايا فساد ذات علاقة بمبيعات عسكرية داخل وزارته. يذكر أنه تم إصدار هاشتاغ خاص بهذه المناسبة نصها: "الملك يحارب الفساد

بثت قناة العربية خبرا مفاده أن عشرة من الأمراء، ثم قالت إنهم أحد عشر أميرا، قد ألقي القبض عليهم مع 38 آخرين من رجال الأعمال والوزراء السابقين.

  في نمط من الممارسة الحكومية تكاد تكون فريدة من نوعها ولا توجد إلا داخل المملكة السعودية، يبدو أن قرار القيام بحملة التطهير سابق على الإعلان عن الهيئة التي شكلت لتبريرها. ذلك هو الأسلوب الذي ينتهجه الأمير الشاب، الذي ما فتئ بعض الخبراء في شؤون الشرق الأوسط يصرون على الإشارة إليه بأنه إصلاحي على النمط الغربي. يتصرف هذا الإصلاحي دونما اعتبار لأبسط متطلبات العدالة ودونما احترام لأي من مبادئ وإجراءات سيادة القانون، فهو يرى أن من أوقفهم ثم اعتقلهم مدانون حتى قبل أن يثبت أي جرم بحقهم.

تنطبق على هذه الهيئة كل صفات المكارثية من حيث الصلاحيات الممنوحة لها والمدى الذي يسمح لها بالذهاب فيه. فأول ما يلفت النظر في المرسوم الذي أسست بناء عليه أنها فوق القانون ومتجاوزة له، حيث ينص المرسوم الذي أمر بتشكيل الهيئة (التي يترأسها محمد بن سلمان) على ما يلي:

"استثناءً من الأنظمة والتنظيمات والتعليمات والأوامر والقرارات تقوم اللجنة بالمهام التالية .... التحقيق، وإصدار أوامر القبض، والمنع من السفر، وكشف الحسابات والمحافظ وتجميدها، وتتبع الأموال والأصول ومنع نقلها أو تحويلها من قبل الأشخاص والكيانات أياً كانت صفتها، ولها الحق في اتخاذ أي إجراءات احترازية تراها حتى تتم إحالتها إلى جهات التحقيق أو الجهات القضائية بحسب الأحوال

بمعني آخر، بإمكان الأمير الآن أن يفعل ما يريد بمن يريد، بما في ذلك مصادرة ممتلكات الأفراد داخل وخارج المملكة. ودعونا نذكر أنفسنا بما بات يسيطر عليه حتى الآن، فالأمير يترأس جميع الجيوش الثلاثة في المملكة العربية السعودية، ويترأس شركة أرامكو، أكبر شركة نفط في العالم، ويترأس الهيئة التي تناط بها المسؤولية عن جميع الشؤون الاقتصادية، والتي توشك أن تدشن أضخم عملية خصخصة تشهدها المملكة حتى الآن، وهو الآن يتحكم بشكل مطلق بكافة وسائل الإعلام السعودية

باتت سيطرته على وسائل الإعلام جلية بعد الإعلان عن قائمة أسماء رجال الأعمال الموقوفين، بما في ذلك أولئك الذين يترأسون أكبر شبكات إعلامية في العالم العربي: إيه آر تي، إم بي سي، وروتانا. وفيما عدا ما تنتجه شبكة الجزيرة القطرية من مواد إخبارية، تنتج هذه الشبكات الإعلامية السعودية مجتمعة معظم ما يبث عبر الأثير من برامج تلفزيونية ناطقة بالعربية في الشرق الأوسط

بات ملاك هذه الشبكات الإعلامية على التوالي – صالح كامل، ووليد الإبراهيم والأمير الوليد بن طلال- وراء القضبان، ومن المحتمل أن تكون أملاكهم قد صودرت. تقدر مجلة فوربس ثروة الأمير الوليد بن طلال، رئيس مؤسسة المملكة القابضة، بما يقرب من 18 مليار دولار. والرجل يملك حجما كبيرا من الأسهم في العديد من الشركات العالمية بما في ذلك نيوز كورب، سيتي غروب، توينتي فيرست سينشري فوكس وتويتر. حتى هذه الأسهم آلت إلى إدارة جديدة الآن. وممن وردت أسماؤهم بين الموقوفون رئيس مؤسسة الاتصالات السعودية، أكبر مزود لخدمات الهواتف النقالة في المملكة.

لئن شكلت التحركات السابقة لابن سلمان استيلاء على السلطة فقد كانت تحركات ليلة السبت استيلاء على الثروة

وبغض النظر عن المخاطر السياسية التي يمكن أن تنجم عن "تشليح" هذا العدد الكبير من أثرياء السعودية من أموالهم، لا ريب أن هذا أسلوب غاية في الغرابة لتشجيع الأجانب على الاستثمار في المملكة. بل يمكن الجزم بأن ما اتخذه ابن سلمان من إجراءات ليلة السبت كأنما صمم ليخيف المستثمرين ويشرد بهم من خلفهم

يعاني الاقتصاد من حالة من الركود والاحتياطات الأجنبية توشك على النفاد. وفي مثل هذه الظروف يعمد ابن سلمان إلى مصادرة ممتلكات أكبر أثرياء المملكة، بل ويشكل هيئة لديها من الصلاحيات ما يمكنها من مصادرة الممتلكات داخل البلاد وخارجها. إذن، ما الذي سيمنعه من أن يفعل الشيء ذاته بممتلكات المستثمرين الأجانب إذا ما نشب خلاف بينه وبينهم؟

كما أن ملاحقة كبار الملاك مثل بكر بن لادن، الذي يترأس أكبر شركة إنشاءات في المملكة، ستكون لها تداعياتها المباشرة على بقية الاقتصاد في البلاد. فمجموعة ابن لادن تشغل آلاف المقاولين الثانويين. ولعل ابن سلمان يكتشف قريباً أنه يستحيل المزج بين عمليات التطهير ومشاريع التجارة والاستثمار

بلغني من مصادر موثوقة أن الأمير الوليد بن طلال رفض الاستثمار في مشروع نيوم، المدينة الضخمة التي أعلن محمد بن سلمان أنه بصدد إنشائها، وأن ذلك هو السبب المباشر الذي دفع ولي العهد للانقضاض على ابن عمه. إلا أن الوليد بن طلال كان أيضاً قد تصادم مع ابن عمه حينما طالب علانية بإخلاء سبيل محمد بن نايف من الإقامة الجبرية المفروضة عليه

النقطة الأخرى التي تجدر ملاحظتها هي أن جميع فروع العائلة الملكية الحاكمة تضررت بسبب حملة التطهير هذه وبسبب ما سبقها من حملات. لك أن تتأمل في أسماء الأمراء الذين ألقي القبض عليهم- الوليد بن طلال، عبد العزيز بن فهد، محمد بن نايف، منصور بن مقرن. وهذا الأخير لقي حتفه في حادث تحطم مروحية بينما كان فيما يبدو يسعى للهرب خارج البلاد. ما تشي به هذه الأسماء هو شيء واحد - لقد أصبحت الصدوع داخل العائلة الملكية الحاكمة عميقة جداً ووصلت فيها حتى النخاع

هل يمكن لكل هذا أن يحدث دون ضوء أخضر آخر من ترامب؟ لقد غرد بالأمس عبر "تويتر" قائلا إنه "يقدر كثيراً للمملكة العربية السعودية طرحها أسهم أرامكو في بورصة نيويورك، فهذا أمر مهم بالنسبة للولايات المتحدة." كما اتصل ترامب بالملك سلمان وهنأه على كل ما أنجزه منذ أن وصل إلى السلطة. أضف إلى ذلك أن التحركات الأخيرة جاءت بعد أن أنهى جاريد كوشنر زيارته الثالثة إلى المملكة هذا العام

لئن لم يكن الأمر جليا من قبل، فلابد أن يكون قد اتضح الآن. لم يعد ثمة شك في أن الرياض باتت عاصمة القلاقل في الشرق الأوسط، وأن التحركات التي قام بها الأمير الذي يبلغ من العمر 32 عاما ليستحوذ على السلطة بشكل مطلق بإمكانها أن تزعزع الأمن والاستقرار في البلدان المجاورة وأن تقيل رؤساء الوزراء فيها. والأسوأ من ذلك أن هذا الأمير يحظى فيما يبدو على تشجيع رئيس الولايات المتحدة الذي لا يدرك عواقب ما تقترفه يداه

لابد أن من أوتوا الحكمة من ذوي الألباب في واشنطن العاصمة مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس يشدون شعر رؤسهم غيظا، أو على الأقل ما تبقى لهم من شعر. وما كان ليدهشني أن أعلم بأن تيلرسون سئم من محاولات إطفاء الحرائق التي يستمر رئيسه والبطانة التي تحيط به في إشعالها هنا وهناك.

 

إن تصريح ووعد وكارثة بلفور الاستعمارية.. هو نقطة الانطلاقة الحقيقية للصهاينة في مشروعهم.. وهو من أهم ما حققه الصهاينة في تنفيذ مخططاتهم  الاستعمارية الاحتلالية الفريدة من نوعها.. فهو احتلال إجرامي إحلالي.. بأن حلّ الغريب عن الأرض التي لا يملكها.. وتم استجلابهم واستقدامهم من كل أنحاء الدنيا.. وتنشأ لهم دولة بقوة السلاح.. ليحلوا مكان أهل الأرض وأصحابها ويستعمروها.. ويقتلوا أهلها ويدمروا قراهم وبلداتهم ويشردوهم من بيوتهم.. ليعيش اليوم ثلثا الشعب الفلسطيني مشردين في المنافي والشتات..!!

إن هذا الإحتلال الإستعماري لفلسطين .. الذي تمت صناعته في المصانع الغربية الإستعمارية وبمباركة أمريكا وروسيا القيصرية.. هو بعكس كل مشاريع الإستعمار والإحتلال التي عرفتها البشرية .. حيث أتت دول استعمارية من بلدانها الأصلية وقامت باستعمار واحتلال بلدان وشعوب أخرى .. وبعد أن سلكت الشعوب المحتلة طريق المقاومة..  تم كنس المحتل المستعمر ..  وتم إنجاز التحرير الكامل والشامل  للبلاد والعباد .. ليعود المحتلين إلى دولهم وبلادهم الإستعمارية يجروا ذيول الخيبة والهزيمة.. والشواهد والأمثلة على ذلك في العالم عديدة ...!!

أما مصيبتنا التي صنعتها الدول الإستعمارية بقيادة بريطانيا العظمى .. والتي انطلقت بتصريح ووعد بلفور وزير خارجية بريطانيا في 02/11/1917 .. وأدت إلى تشريد شعبنا وضياع أرضنا .. فهي تختلف عن كل ما عرفه العالم من استعمار واحتلال  .. نعم إن المحتل لفلسطين هو من نوع آخر .. بل فريد من نوعه وسلوكه وخلطته وعجنته ..  لقد أتوا بهم  ولملموهم وجمعوهم من كل أنحاء المعمورة ..وقاموا بمدهم بالسلاح وبتدريبهم عسكريا ..  وعملوا على رعايتهم وخدمتهم .. وشجعوا عصابات القتل والإجرام مثل عصابات الهاجاناه والشتيرن التي قامت بارتكاب العديد من المجازر في فلسطين ..  ليجعلوا من فلسطيننا دولة لهم .. وليزرعوا خنجراً في خاصرة الوطن العربي .. ويضعوا جسماً غريباً خبيثاً يعمل على تفتيت الأمة العربية ...!!

واليوم نسمع عن مطالبة السيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية .. من خلال مقاله المطول الذي نشر اليوم في  صحيفة  "الغارديان"  البريطانية .. بمناسبة مرور مئة عام على  وعد بلفور .. دعا فيه  أبو مازن بريطانيا إلى الإعتذار عن ذنبها بسبب وعد بلفور ... وتابع رئيس السلطة الفلسطينية السيد ابو مازن القول بأن "وعد بلفور ليس أمرا يمكن الإحتفال به .. وبالتأكيد ليس في الوقت الذي لا يزال فيه طرف يعاني من الظلم .. فإنشاء وطن لشعب أدى إلى اقتلاع واضطهاد مستمر لشعب آخر .."  ويشير عباس إلى أن "توقيع الوعد حدث في الماضي ولا يمكن تغييره .. لكن يمكن تصحيحه .. ويقتضي هذا الأمر تواضعا وشجاعة.. ويحتاج للتصالح مع الماضي .. والإعتراف بالخطأ.. واتخاذ الخطوات الملموسة لتصحيحها"...!!

إن السيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية .. يقر بأن تصريح بلفور  قاد إلى إنشاء وطن لشعب .. وأدى إلى اقتلاع واضطهاد مستمر لشعب آخر ..  أي أنالسيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية ..  يقر بأن الصهاينة هم شعب .. مثلهم مثل بقية شعوب الأرض التي يعرفها العالم.. وهذا يجانب الحقيقة والمفاهيم والتعاريف والمقومات التي يقرها العالم في تعريفهم لمفهوم الشعب...!!

إنهم يا سيادة السيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية .. مثل شعير البياع .. أو مثل خبز الشحاذين .. كما يتقول أمثالنا الشعبية .. من كل قطر أغنية .. إنهم  في الحقيقة مجموعة من البشر  جلبوهم من شعوب مختلفة تجمعهم عقيدة وديانة .. ولنعد لتعريف المفاهيم .. وما هو تعريف الشعب ...!!

نريد من  السيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية بأن يخبرنا بصراحة .. عن أي شعب يتحدث والذي تم إنشاء وطن له في فلسطين ...؟!

إن مطالبة بريطانيا بالاعتذار  عن تصريح ووعد وجريمة بلفور ... لأنه منح ما لا يملك لمن لا يستحق ..  هو أمر ضروري وسيتبعه ما يتبعه من إجراءات وتبعات .. ولكن ماذا نقول في اتفاقية أوسلو التي منحت من يملك لمن لا يستحق ...؟!

إنه التفريط والتنازل بعينيه الاثنتين عن فلسطين .. وإن شعبنا يطالبكم بالاعتذار عن أوسلو ومخرجاته وتبعاته .. وعن ما أوصلنا إليه من كوارث .. وللتذكير فقط .. فقد وقع السيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية على اتفاقية  أوسلو شخصياً ...!!

في اتصال هاتفي بين رئيس حركة حماس من غزة، إسماعيل هنية، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، قبل أيام، يعود الحديث مجددا عن العلاقة بين الأردن وحماس. لكن ما هي طبيعة العلاقة التاريخية بين الأردن وحماس؟ وما هي أسباب هذا الاتصال؟ وما هي خطوط التباين بين عمان وحماس؟ وما هو مصير تلك العلاقة في المستقبل؟

(1) العلاقة التاريخية

أصبح لحماس تواجد رسمي في الأردن بعد أزمة الخليج، وقدوم التنظيمي الإخواني الفلسطيني من الكويت إلى الأردن، ودمج القادمين في التنظيم الأردني. إذ تم إنشاء قسم فلسطين، والذي تطور إلى جهاز فلسطين، لتبدأ العلاقة الرسمية مع الأردن من خلال حضور خالد مشعل للقاء بين الإخوان والعاهل الأردني الراحل الملك حسين، والذي بموجبه قدم المراقب العام للإخوان في الأردن؛ السيد خالد مشعل كرئيس للمكتب السياسي لحماس، وهو ما أقره الراحل الأردني، وكان هذا الإقرار بمثابة قبول لهذا الوجود على الأرض الأردنية.

 استمر قبول الأردن لحركة حماس على الأرض الأردنية لعدة أسباب، منها: محاولة قطع الطريق على سلطة ياسر عرفات التي ذهبت للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي بشكل منفرد، بعيدا عن عمان، ومحاولة إبعاد حماس عن إيران والمحور السوري، حيث كان الجانب الأردني على قناعة أن احتضان المقاومة الفلسطينية كفيل بجعلها أكثر اعتدالا وقدرة على تأهيلها للمشاركة في العملية السياسية، لتصل ذروة تلك العلاقة في عام 1997، عندما نجح الملك الأردني الراحل الحسين في الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية، في صفقة تبادل تضمنت عملاء الموساد الذين حاولوا اغتيال خالد مشعل في عمان، وما تلاه من توترات بين عمان وتل أبيب؛ أزمة تدخل بها الرئيس الأمريكي - حينها - بيل كلينتون، حتى هدأت الأزمة وعادت العلاقات بين الدولتين. استمر هذا القبول بوجود حماس على الأرض الأردنية حتى رحيل الملك حسين، والذي أرسل رسالة قبل رحيله بفترة بسيطة إلى خالد مشعل يؤكد دعمه للمقاومة ومشروعها التحرري من الاحتلال؛ رغم دخول الأردن في معاهدة سلام مع الجانب الإسرائيلي منذ نصف عقد من الزمن.

في عام 1999، وبقدوم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، تم إنهاء وجود المكتب السياسي لحماس في عمان، وتم إبعاد خمسة من قادة حماس عن الأردن إلى قطر، قبل أن يستقروا في سوريا. ومن هنا بدأت القطيعة في العلاقات، والتي تحولت بعدها العلاقة مع حماس إلى ملف أمني بحت، وتعززت القطيعة في عام 2006؛ عندما تم القبض على خلية اتهمت بأنها تحاول إدخال أسلحة إلى الأردن من إيران، تمهيدا لنقلها للضفة الغربية، وتم الحكم على أعضاء الخلية المقبوض عليهم؛ في قضية اتهم فيها الراحل محمود المبحوح - الذي تم اغتياله من قبل الموساد الإسرائيلي عام 2010 في دبي - بالمسؤولية عن هذه الخلية وعملها.

 في عام 2012، وبوساطة قطرية، ومع هبوب رياح الحركات الإسلامية في تولي الحكم، استقبل العاهل الأردني خالد مشعل في عمان، برفقة أمير قطر الشيخ تميم، إلا أن هذه العلاقة سرعان ما عادت للفتور. وبقدوم رئيس الوزراء عون الخصاونة، تجدد الحديث عن فتح صفحة جديدة في العلاقة مع حماس، عندما صرح بأن إبعاد قادة حماس كان خطأ تاريخيا سياسيا، كما أنه خطأ قانوني ودستوري، في محاولة من الخصاونة لمغازلة الحركة الإسلامية الأردنية؛ بقيادة تيار الصقور الذي تربطه علاقة وطيدة بحماس، كمحاولة لتهدئة الشارع، في ما عرف بالربيع الأردني، بعد رفضها المشاركة في حكومته. وبرحيل الخصاونة تم طي الصفحة؛ حتى عام 2015، إذ قبض الأمن الأردن على 16 شخصا في ما عرف بقضية خلية حماس، وتم الحكم على مجموعة منهم بتهمة محاولة تصنيع متفجرات ومحاولة تهريبها للضفة، وتلقي تدريبات في غزة، إلا أن حركة حماس استطاعت إقناع النظام الأردني بأنها عملية فردية بدون علم ومعرفة قيادة الحركة، وأنها ترفضها. وبقيت العلاقة تراوح في هذا المربع الأمني، حتى الاتصال بين إسماعيل هنية والعاهل الأردني قبل أيام قليلة.

(2) لماذا هذا الاتصال الآن؟

على الرغم من القطيعة بين الأردن وحماس، إلا أن كلا من الأردن وحماس أرادا هذا التواصل؛ لعدة أسباب، رغم أن الجانب الأردني يتعامل مع ملف حماس بمنظور أمني، حيث أعاد أحد قياداتها المبعدين إلى عمان؛ ليرتبط بعلاقة مباشرة مع الأجهزة الأمنية لترتيب بعض الملفات وإبقاء بعض القنوات المفتوحة، فيما يخص الأمور الأمنية، وبعض الاتصالات الإنسانية والسياسية وقت ما تحتاج الظروف لذلك.

 القيادة الجديدة لحماس انفتحت على الجميع، بما في ذلك إيران وهو الانفتاح الذي لا يرتاح الأردن الرسمي له. فإيران على الحدود الشرقية للأردن، من خلال وجودها في العراق، وكذلك على الحدود الشمالية الأردنية من خلال تواجدها في سوريا.

تم ترتيب اللقاء من خلال القنوات الأمنية المفتوحة بين الأردن وممثل حماس في الأردن، وكان الطلب أن يكون الاتصال مع أعلى مستوى ومع رأس النظام السياسي في الأردن. وكان لحماس ذلك، حيث أرادت حماس من هذا التواصل للتأكيد على:

- تبديد مخاوف الأردن من الانفتاح على إيران؛ وما قد يلحقه ذلك من أذى في ملف المصالحة، وهواجس إعطاء دور أكبر لإيران في القضية الفلسطينية، والذي تعتبره الأردن أكثر الملفات حساسية في علاقاتها الخارجية.

- التأكيد على أهمية دور الأردن في القضية الفلسطينية، حتى وإن لم تكن حاضرة في مفاوضات القاهرة، ووضع الجانب الأردني بكل تفاصيل ما يجري، والتأكيد على حرص حماس على دعم المصالحة وأنه لا رجعة عن ذلك.

 - تأكيد حماس على رفضها لموضوع الوطن البديل، وتأكيدها بأن الأردن هو الأردن وأن فلسطين هي فلسطين، مؤكدة أنها ترفض أي حل للقضية يكون على حساب الأردن.

كما أن الجانب الأردني أراد ذلك التواصل مع حماس للأسباب التالية:

- إرسال رسالة إلى اليمين الإسرائيلي الذي احتضن مؤتمر مضر زهران، والذي ينظر لفكرة إقامة دولة فلسطينية في الأردن، ولتصعيد العلاقة من القيادة الإسرائيلية كرد على حادث السفارة الإسرائيلية في الأردن، والذي لا زال يتفاعل شعبيا، وما تلاه من شبه تجميد للعلاقات الأردنية الإسرائيلية دبلوماسيا.

- تأكيد الأردن لحماس على دعم خيار المصالحة والوقوف خلفه، والذي يمهد للحل الذي يعتبره الأردن على رأس سلم أولوياته؛ لانعكاساته على الداخل الأردني بشكل كبير.

(3) التباينات السياسية بين الأردن وحماس

تبدو التباينات سياسيا كبيرة بين الأردن وحماس، وإن كانت هذه التباينات قد تقلصت في الفترة الأخيرة، بعد إصدار حماس وثيقتها الجديدة، والتي تعلن فيها قبولها بدولة على حدود 67، وقبولها أيضا بالمصالحة التي تعيد حركة فتح إلى غزة. إلا أن النظام الأردني لا زال لا يتقبل حماس على الأرض الأردنية، لعدة أسباب:

 - الخلفية الإخوانية لحركة حماس، وأن إعادة العلاقة مع حماس يعني تقوية جماعة إخوان الأردن الأم في الساحة الأردنية، وهذا ما لا يريده النظام الأردني الذي قطع أشواطا كبيرة في تحجيم إخوان الأردن الأم ونزع مخالبها، وجعلها حركة غير مؤثرة على الساحة الأردنية، نتيجة فقدان الثقة بينها وبين النظام بعد الربيع الأردني، وما جرى خلال من اختلافات كبيرة وصراع مع النظام.

- كما أن النظام الأردني لا يريد أن يستبدل المظلة الإخوانية، التي كانت تمثل المكون الفلسطيني قبل نزع الشرعية عنها، بمظلة حمساوية؛ من خلال السماح لحركة حماس بالعمل مع اللاجئين الفلسطينيين. فواضح أن الأردن الرسمي يرفض أي قيادات إسلامية للمكونات الشعبية، حتى لو كانت قيادات فردية. وكان هذا واضحا من خلال تعاطيه مع بعض الدعاة الإسلاميين أصحاب الانتشار الشعبي.

- عدم وضوح موقف حماس من فكرة الفيدرالية أو الكونفدرالية بين الأردن والدولة الفلسطينية المطالب بها. صحيح أن حماس لم يصدر منها موقف صريح بذلك، إلا أنها في وثيقتها الأخيرة تنادي بمشروعها الفلسطيني الوطني، مما يعني أنها ترفض فكرة الفيدرالية بين الضفة الغربية والأردن. والغموض يشوب موقفها من فكرة الكونفدرالية بين الدولة الفلسطينية والأردن؛ الذي فك الارتباط مع الضفة الغربية منذ عام 1988، إلا انه أبقاه قرارا إداريا ورفض النص عليه بالدستور، وهو ما يفهم منه كإجراء لتسهيل أي اتحاد بين الأردن والدولة الفلسطينية؛ إذا سمحت الظروف بذلك وكان ذلك في مصلحة الأردن.

(4) هل العلاقة مرشحة إلى العودة لسابق عهدها؟

نفت حماس في بيان لها أنها تقدمت بطلب فتح مكاتب لها في عمان. لكن السؤال الأهم في ذلك: هل فعلا حماس حريصة على فتح مكاتب لها في عمان، وخاصة في ظل تحول قيادة حماس السياسية للإقامة في الداخل الفلسطيني (غزة)؟ كما أن حماس ليس لها موقف من العمل في الساحة الأردنية شعبيا، نظرا لتعقيدات الحالة القانونية للفلسطينيين الموجودين في الأردن، من حملة جوازات أردنية بمواطنة كاملة وحملة بطاقات صفراء وحملة بطاقات خضراء، والمقيمين إقامة غير مشروعة على الأرض الأردنية.

 لا يتوقع للعلاقة بين حماس والجانب الأردني أن تعود، فكل ما يريده الأردن أن تبقى حماس ملفا أمنيا بيد الأجهزة الأمنية المختصة، وضمن حدود العلاقة التي تم ترسيمها؛ بأن لا تمارس حماس أي نشاط سياسي أو عسكري (تهريب السلاح) عبر الحدود الأردنية، وإبقاء الأمن الأردني خطا أحمر يُمنع على حماس ممارسة أي عمل يمس به.

وإن العلاقة بين الأردن وحماس سوف تبقى في ذات المربع، إلا إذا جرت تطورات جديدة في المشهد الإقليمي، كعودة مد ثان لثورات الربيع العربي، وعودة الإسلام السياسي إلى واجهة الأحداث من جديد، وهذا مستبعد حاليا، وخاصة بعد تطورات الأزمة السورية، أو وصول حماس إلى السلطة في الضفة وغزة، وانخراطها في العملية السياسية وفقا لشروط الرباعية والشرعية الدولية. وهذا غير متوقع أقلها في العقد القادم، مما يعني أن العلاقات لن تراوح مربع التنسيق الأمني، واستثمار كل من طرفي المعادلة بعض العلاقات البسيطة، والتي تترك الباب مواربا لأي تطورات مستقبلية.

 
نحن نفهم جيدا ان روسيا بوتين تتسابق مع امريكا على تقاسم غنائم العالم ومن اجل ذلك تتدخل في سوريا كما تدخلت في اوكرانيا وغيرها ،فهو صراع قوى لا مبادئ قانونية تتمسك بها وما يتحكم بها هو مصالحها الانانية الصرفة ، ولكننا لا نفهم كيف ان بوتين الذكي جدا والمتأني جدا وقع في فخ نزعة استعمارية واضحة جدا تعود لفترة الحكم القيصري الروسي حينما ساهمت روسيا في اتفاقية سايكس بيكو الاولى مباشرة وبقوة ! فهل وقع رئيس يعد اذكى رؤوساء روسيا منذ ستالين في فخ ام انه اختاره ؟ مناسبة هذه المقدمة هو دعوة بوتين لعقد مؤتمر اطلق عليه اسم لم تستخدمه روسيا طوال اكثر من ثمانية عقود وهو ( مؤتمر شعوب سوريا ) ! كيف تحولت سوريا من دولة الشعب الواحد الى دولة (الشعوب السورية) ولماذا ؟
1-علينا اولا ان ننتبه الى ان هذه التسمية تقع في خانة المصطلحات الصهيونية والتي تتبناها قوى غربية معروفة منها امريكا وبريطانيا فتحويل الشعب العربي في اي قطر الى شعوب هو الهدف الصهيوني الاول منذ بدأت الصهيونية عملها المؤسسي في عام 1897 في سويسرا ، وكان وعد بلفور وتقرير بنرمان واتفاقية سايكس بيكو الاولى من نتائجه على اعتبار ان الصهيونية ليست سوى كلب حراسة ربته الرأسمالية لحماية وتوسيع نطاق سيطرتها ونهبها الاستعماري وليس كما يظن البعض من انها هي الاصل الموجه للقوى الاستعمارية . فتقسيم وتقاسم الاقطار العربية والعمل على نفي وحدتها القومية واصاله هويتها العربية هو اهم الاهداف الاستعمارية ، بالاصل وبالتبعية فانه اهم اهداف الصهونية العالمية .
2-ان بوتين وهو يستخدم هذا المصطلح يبدو منغمسا في تسابق مميت مع نظيره الامريكي ترامب حول سوريا ووجود روسيا في المنطقة كلها ، فعنصر المزايدة الدولية والاقليمية واضح جدا في دعوت بوتين لانه يعتقد بان العرب الان في حالة ضعف بينما امريكا هي التحدي الاكبر له ولمستقبل روسيا كدولة ولهذا نراه يتسابق مع امريكا في النزعة الاستعمارية ويلعب الورقة الصهيونية بحذاقة من خلال علاقاته الستراتيجية مع نتنياهو وكيانه ، مفترضا ان الدعوة لمؤتمر (شعوب سوريا) سيزيد من دعم اللوبي الصهيوني له في سباقه المميت مع امريكا حول الغنائم والنفوذ العالمي .
3-والاهم من كل ما تقدم هو ان المصطلح واستخدامه يدخل في اطار موقف القوى الخفية التي تحكم العالم من وراء الستار وابرزها العوائل الرأسمالية التي تستحوذ على اكبر الثروات وتعد الدولار ربها الاعلى وتتحكم في الحكومات والبرلمانات في الغرب ، فبما ان روسيا بوتين دولة رأسمالية فجة ،اي ناشئة وتتعلم دروب الرأسمالية وتكتشف خطاها الاجرامية تدريجيا وتتكيف مع ضروراتها، فان بوتين يخطو الى امام خطوة على طريق رأسمالية تنهض بقوة في روسيا لكنها تسحب معها كل عنف روسيا وتقاليدها الاقطاعية الاستبدادية والتوسعية التي طبعت النظام السوفيتي وكانت من اسباب انهياره لانها حرمت الماركسية من نقاوتها النظرية ودست في قلبها تقاليد امبراطورية استبدادية فاسدة ومفسدة .
يوتين الان يتقلب بوضوح بين رأسمالية غربية فجة بدائية ونزعات امبراطورية توسعية واضحة من اجل تحقيق اكبر قدر ممكن من النهوض الروسي وبغض النظر عن كافة الاعتبارات القيمية والانسانية والحقوقية والاخطر بدون النظر للمستقبل وما سيحدث فيه للعرب خصوصا نهوضهم الحتمي لان كبوتهم الحالية مؤقتة ، اغفال المستقبل يجعل بوتين مقامرا بعلاقته بالعرب مستقبلا من اجل مكسب امبريالي حاليا .
4-ولئن كان بوتين يتسابق مع امريكا حول كسب مواقع في العالم فان احد اهم ادلة انه جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية هو انه منسجم كليا مع امريكا وبريطانيا واسرائيل الغربية واسرائيل الشرقية عندما يتعلق الامر بالعرب ومصيرهم وكيفية حل مشاكلهم ، فما يفعله ترامب ونتنياهو ومي رئيسة وزراء بريطانيا هو نفس مايفعله بوتين وخامنئي : شرذمة العرب واستنزافهم ودفعهم الى حالة العجز عن الدفاع الصحيح عن النفس والتشبث بوعود وامال كاذبة لا توصلهم الا الى النهابة التي رسمتها الرأسمالية بالاصل وهي انهاء الامة العربية بالقضاء على هويتها القوميةالضامنة للحمة العربية .
لنتذكر دائما وبلا اوهام بان القومية والعربية هي الهدف الاهم في المخططات الرأسمالية الغربية وما زج الاسلام في الصراع واستخدام ادوات تتستر بالاسلام الا وسيلة اساسية لشيطنة العرب اولا وقبل كل شيء وتسهيل تعزيز الحلف الدولي ضدهم ، من دون القضاء على الهوية القومية العربية لن تنجح ابدا كافة المخططات الرأسمالية والصهيونية مهما كانت قوية وذكية ، ولهذا اصطنعوا اولا التناقض الوهمي بين القومية العربية والاسلام رغم انه روح القومية العربية ، وهذا التناقض المصطنع هدفه الاهم هو القضاء على القومية العربية بواسطة الاسلام السياسي ، وتمثله قوى نراها الان تقف موقفا حاقدا بتطرف على القوميين العرب وتتحالف مع كل اعداءها الطائفيين من اجل دحر التيار القومي العربي الحقيقي .
والسبب واضح جدا ونكرر ذكره : بينما القومية العربية توحد العرب وتمنع شرذمتهم من خلال معيارها الحاسم والاساسي وهو المواطنة المتساوية بغض النظر عن الديانة والطائفة والاثنية فان الاسلام السياسي يفرق لانه يميز بين المسلمين انفسم وفقا لطوائفهم ويشرذمهم بتطرف وهو ما نراه الان مجسدا ، ثم ينتقل لتكفير غير المسلمين وهكذا تتوفر الشروط الاساسية المطلوبة لتحويل الشعب العربي الواحد الى (شعوب عربية) وغير عربية ، ومؤتمر (شعوب سوريا) جزء اصيل من مخرجات هذا المعمل .
5-لقد قسم السودان بفصل جنوبه وفقا لتلك الخطط الرأسمالية وتجري الان عمليات اكمال تقسيمه بتعزيز نزعات انفصاليه اخرى، وهذا ايضا نراه في سوريا حيث خلقت امريكا من العدم تقريبا قوة كردية مسلحة لم تكن موجودة لا سياسيا ولا عسكريا ! وسوريا المتميزة بان العرب فيها يشكلون اكثر من 95% من سكانها لم يكن يخطر ببال اي انسان انها يمكن ان تتقسم على اساس قومي وكانت الفرضية الاستعمارية والصهيونية هي تقسيمها على اساس ديني وطائفي لوجود اقليات دينية فيها.
اما الان فان امريكا خلقت وجودا لقوة تشكلت داخل سوريا لم تكن موجودة حتى عام 2011 واكملت بعناصر بشرية من خارجها لاجل ايجاد قوة تقاتل من اجل كيان مستقل عن سوريا وهو ما يلفت الانتباه خصوصا مع الرفض الامريكي التام لاي دور تركي في القضاء عل داعش في الرقة بشكل خاص رغم اعلان تركيا انها مستعدة للقضاء على داعش! انها عملية صنع قوة باسرع وقت واعداداها للعلب دور تقيسمي لاحق .
وهنا نرى المشترك والجوهري بين روسيا وامريكا وهو دعم تقسيم سوريا مهما انكر ذلك ،فالفدرالية في سوريا كما في العراق واليمن وليبيا ليست الا كونفدرالية مبرقعة لاخفاء الواقع وما يحمله من بذور تنمو وتمهد للتقسيم التام لاحقا وتستخدم الفدرالية والحكم الذاتي كأغطية مراعاة لبيئة رافضة للتقسيم ، وهذا هو ما قررته امريكا منذ عام 1998 واخذت تنفذه تدريجيا ، ولهذا فان تعابير مثل (شعوب السودان) و(شعوب سوريا) و(شعوب العراق) وغدا (شعوب اليمن) و(شعوب ليبيا) و(شعوب السعودية) و(شعوب الجزائر) و(شعوب المغرب ) ...الخ ستظهر تدريجيا مع اضعاف الرابطة القومية العربية والرابطة الوطنية القطرية .
6-ومن يظن ان التخلي عن هويته العربية سوف ينقذه واهم كل الوهم لان اي رابطة اخرى توضع فوق القومية العربية سوف توصل للفناء الحتمي ودروس هذه المرحلة تثبت ذلك ، فالعروبة فقط تحمينا من التشرذم وتبقينا موحدين واقوياء بعكس الطائفية التي تجردنا من اي مصدر قوة وتحولنا الى بشر يتحصن كل منهم بطائفته ضد الاخرى وتدفعنا رغم النوايا الى السقوط في جحيم عبودية القوى المتفقة على انهاء هويتنا وهي امريكا وروسيا والاسرائيليتين الشرقية والغربية .
ما يجري الان ليس تنفيذا لمبادئ انسانية وحقوقية مثل (انصاف) الاقليات بل هو معادلة استعمارية واضحة احد طرفيها تفتيت منظم للعرب واخضاعهم لاستعمار متعدد الاطراف ، بينما الطرف الاخر للمعادلة هو توحيد وتقوية الاقليات وتمكينها من تحقيق ما تريده سواء كان حقوقها او ماتريد اضافته لحقوقها وعلى حساب حقوق العرب الثابتة ! ولهذا فهي ليست عملية تحرر شعوب مستعمرة او مضطهدة ولا هي منح حقوق واجبة في اطار تحرري عام بعيدا عن التأثيرات الاستعمارية بل هي تحديدا عملية استعمارية – صهيونية صرفة تستغل شعارات حقوقية وانسانية من اجل تفتيت الاغلبية القومية الساحقة وانهاء هويتها واستعمارها .
وحينما نهمل قاعدة التحررية ومشروعية الحقوق ونقبل بالاعتراف بحقوق مفترضة ومفروضة لاخرين فان النتيجة الطبيعية لذلك هي التخلي عن حقوقنا خصوصا حقنا في الحياة والبقاء كبشر . وسوريا كالعراق وكالسودان وكليبيا وكاليمن وكالسعودية وكالمغرب ، وككل قطر عربي اخر ، لن تصبح دولة (شعوب) بل ستبقى سوريا دولة الشعب الواحد بهويته العربية والمحترم لحقوق الاقليات ، ومن قدم اكثر من مليون شهيد سوري ومن قدم اكثر من ستة ملايين شهيد عراقي منذ عام 1991 وحتى الان لن يتخلى عن حقوقه في الحياة الحرة الكريمة ووحدته الاقليمية والاستقلال وسيقدم ملايين اخرى من اجلها

   (كاتب وسياسي عراقي)*.

لم يصبح اللورد بلفور في الذاكرة اليهودية عرقوبا يضرب به المثل في الكذب والادعاء والخذلان؛ لأنه وعد، وحكومته تعهدت بالتنفيذ، وها هو قرن يكتمل على ذلك الوعد الذي لم يجد له العرب حتى الان اسما دقيقا، فقد قالوا انه مشؤوم او ان من لا يملك اعطى لمن لا يستحق، والحقيقة اشد فظاعة وايلاما من كل ذلك، وقد تكون ذكرى الظهيرة السوداء لذلك الوعد مجرد يوم آخر في تقاويم عربية محجوزة في كل الشهور والايام لذكرى مآتم وانكسارات وانقسامات، فالتاريخ احيانا يخلق مفارقات تراجيدية ويحول المصادفات الى دروس بليغة وعِبر ومن امثلة ذلك رحيل عبد الناصر في اليوم ذاته الذي انتهت فيه الوحدة بين القاهرة ودمشق، بحيث يبدو الرجل كما  لو انه مات مرتين!.
لقد تلقى عرب القرن العشرين وعودا كثيرة من لوردات وجنرالات وتجار اسلحة وحروب، لكنها كانت على الدوام مع وقف التنفيذ واستخدمت للابتزاز واعتصار العرب حتى آخر قطرة، وقد يتصور الواقعيون جدا والاقرب في واقعيتهم الى الزواحف ان قرنا يكفي لتحويل اي طارىء او عجيب الى امر واقع، لهذا يحتفل اعداؤهم بذكرى ذلك الوعد وهم في ذروة الاشتباك ويأكلون لحم بعضهم احياء وموتى!.
واذا استمر هذا الزهايمر السياسي يقضم الذاكرة العربية ومخزونها القومي فإن الجيل القادم قد يتصور ان اسم بلفور هو نوع من الشامبو او السيارات او المكانس الكهربائية؛ لأن رهان اسرائيل هو على النسيان، وقد اضاف العرب المعصورون لا المعاصرون الى النسيان تناسيا متعمدا يعفيهم من عبء حمولة الدم!.
ان ذكرى ذلك الوعد الذي لم نجد له بعد اسما دقيقا يليق بما نتج عنه من قتل وتشريد الملايين تأتي مرة واحدة في القرن تبعا لطقوس المئويات، فماذا اعد عرب هذا القرن للرّد على وعد حاول حذفهم من التاريخ وطردهم من الجغرافيا؟
الاجابة على سؤال كهذا تكفي لأن نتخيل ما الذي ستفعله اجيالنا القادمة بعد قرن آخر وفي مثل هذا اليوم!!!.

كاريكاتير

أغوار TV

 

الحياة في صور

أغوارنيوز | صوت الناس