مساحه حره (194)

الآن والخلافة الإسلامية الداعشية المزعومة تلفظ أنفاسها في العراق وسوريا، وتصبح سلطة بلا أرض، يطرح الكثيرون السؤال التالي: وماذا بعد تنظيم «داعش»، وقريبا ماذا بعد أخواته؟ السؤال مركب يشمل السياسة والأمن والإرهاب المجنون، والتناغم مع الاستخبارات الدولية والثقافة الدينية، ولذلك فالإجابات متعددة.
من أبرز الإجابات على هذا السؤال هو بعض الإجابات الرسمية من أن الوقت قد حان لتعديل مناهج تعليم الدين الإسلامي في المدارس والجامعات، ولضبط أساليب ووسائل عرض الدين الإسلامي على معتنقيه وعلى غيرهم من الناس الآخرين، سواء في المساجد والحسينيات، أو وسائل الإعلام المختلفة. المنادون بتلك الخطوة الإصلاحية ينادون بعدم التطرق للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشروح الفقهية التي قد يشتم منها، على سبيل المثال، المناداة بالجهاد الحربي لمحاربة الكفار ونشر الدين الإسلامي، أو توجيه النقد لأصحاب الديانات الأخرى.
كما ينادي هؤلاء بإشراف الدولة على خطب المساجد، وتحديد الخطوط الحمر التي يجب أن لا يتخطاها خطباء المساجد، والمتحدثون على وسائل الإعلام المختلفة.
ويضيف البعض أهمية تدريس مختلف المذاهب الإسلامية من أجل تقليل الانطواء المتعصب على المذاهب، وبالتالي تقليل حدوث الصراعات المذهبية. لكن، هل أن مثل تلك الخطوات الخجولة ستكون كافية لحماية الشباب المسلم، عربا وغير عرب، من تأثيرات مجانين الإسلام السياسي المتطرفين المتزمتين المنادين بضرورة محاربة العالم كله باسم الشعارات الإسلامية التي يرفعونها؟ ذلك أن موضوع الجهاد الإسلامي العنفي المشوه لروح الإسلام وقيمه، لا يتلخص في تفسيرات بليدة لبعض الآيات القرآنية ولبعض الأحاديث المنسوبة للنبي الكريم، ولأقوال متناثرة لهذا الفقيه أو ذاك. فالموضوع هو أكبر وأعقد وأخطر من ذلك بكثير، ويحتاج إلى مواجهة شاملة.
لنضع جانبا المواجهات السياسية والأمنية والاقتصادية، ولنأخذ، على سبيل المثال، المواجهة الدينية. في هذا الحقل توجد إشكاليات كبرى في مصدرين أساسيين من مصادر الدين الإسلامي: الأحاديث المنسوبة الى النبي (صلى الله عليه وسلم) والتراث الفقهي. وهي إشكاليات تتعلق بمنهجية التدوين، وبالتأثر الواضح بتقلبات السياسة وصراعات الحكم، وبالكذب المتعمد سواء بالنسبة للرسول الكريم أو لهذا الإمام أو ذاك الفقيه المشهور، وبعلاقة المصدرين بما جاء في القرآن الكريم.
لنذكر أنفسنا بالفترة الزمانية الطويلة ما بين موت الرسول عليه الصلاة والسلام، وتدوين الأحاديث المنسوبة إليه، بموضوع الذاكرة الإنسانية الشائك، وتغير الألفاظ والمعاني في تلك الذاكرة بمرور الزمن، بالنقاشات الحادة حول الإسناد والتنقيح، في موضوع مدى الالتزام بالأحاديث الأحادية، الذي لا يزال معنا، بادعاءات البعض إمكانية نسخ آيات قرآنية من قبل أحاديث نبوية، بمقدار الإضافات على كتب الفقه الشهيرة من قبل تلاميذ مؤلفيها، بموضوع الصراعات الدموية حول مكانة الرأي والعقل في فهم القرآن وتفسيره وبالنسبة لقدمه أو خلقه، بالكتابات الناقدة الكثيرة الحديثة حول ما جاء في مصادر فقهية، مثل صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو كتاب الكافي أو غيرها.
لنذكر أنفسنا بكل ذلك لنعرف أننا أمام تراث هائل يحتاج إلى أن يحلل بموضوعية تامة، وأن ينقد بهدوء وعدم تشنج، وأن ينقح من كثير من الشوائب التي ألصقت به، وأن يستفاد في تجديد فهمه من مختلف علوم العصر الإنسانية والاجتماعية والطبيعية. ولأنه بهذا الحجم وبتلك التعقيدات، فإنه سيحتاج إلى جهد مؤسساتي قائم على إمكانيات الرسمي وإمكانيات المجتمعي، وإلى استقلالية تبعده عن انتهازيات السياسة واستغلالها للدين، وإلى شجاعة تتخطى المذاهب والحساسيات الطائفية. إنه جهد للقيام بخطوات تفصل التاريخ عن الدين، وتنهي سوء فهم تاريخي لدين فطرة لا يحتاج إلى كل التعقيدات والإضافات التي فرضتهما صراعات البشر عليه.
عند ذاك، وعند ذاك فقط، سنرى انعكاسا لذلك الجهد ونتائجه على المناهج الدراسية والخطابات الدينية في المساجد والحسينيات، وعلى منابر الإعلام المختلفة. عند ذاك سنسد الطريق أمام مجانين الجهاد الإسلامي المتخلفين في الفكر والضمير الديني.
لنذكر أنفسنا أخيرا بأن ذلك الموضوع لا يقف عند حدود ساحة الدين، ذلك أن تأثيراته البالغة على السلوكيات الاجتماعية، والأوضاع النفسية للفرد المسلم، والمنطلقات الثقافية للمجتمعات، والممارسات السياسية في الدول العربية والإسلامية، مساوية في أهميتها للجوانب الدينية البحتة. لقد جرت محاولات فردية كثيرة في الماضي والحاضر لمواجهة نقاط الضعف في هذا التراث، وذلك من أجل إرجاع مكانة القرآن الكريم الواضح السمح في حياة المسلم، التي أضعفها ذلك التراث عبر القرون، لكن ذلك لم يكن يكفي. لقد أضاع الجنون الجهادي العنفي المتخلف كل تلك الجهود وأزاحها من الطريق.
الآن، وقد بدأت تلك الظاهرة بالانحسار، سواء لعنفوانها أو لمموليها من استخبارات وحكومات، فإن الفرصة سانحة لاجتثاث المصادر المبهمة التي سمحت لتلك الظاهرة بالبروز وبنشر الخراب والدمار. الترقيعات لن تفيد، المواجهة الجذرية هي الحل.
  

      (  كاتب بحريني * )

مخيفة هذه الغيوم. أصبحنا نعرفها من دكن ظلمتها ومن امتلائها لهيباً، لا مطراً ولا برداً. منذ أن جاءنا السيد علي أكبر ولايتي ومرّ على جميع مسؤولي الدولة في يوم واحد، أدركنا أن وراء الابتسامات إنذاراً بعاصفة. فقد اعتاد الإيرانيون أن يغلّفوا أقسى الكلام بابتسامة باردة ومصطلحات رتيبة

وسارعت آلة إعلامية محترفة إلى قلب الأشياء والحقائق وإسقاطها بعيداً عن مرماها... فاستقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة ليست احتجاجاً صارخاً على وضع مأساوي في لبنان، بل هي إقامة جبرية في السعودية! واستقالته من السعودية ليست خوفاً على حياته من التهديدات؛ بل هي خوف من القرارات الضخمة في السعودية، وهو بالنسبة إلى الرياض ليس حليفاً أساسياً، بل مواطن سعودي معرّض للحساب.

غير أن استقالة الرئيس سعد الحريري يجب أن تُقرأ بأحرف الألم التي كُتبت بها، وبعلامات الشكوى والقلق، وبمشاعر رجل الدولة الذي غايته الأولى والأخيرة بلده، لا منصبه، لذلك، استهدفت الحملة الاحترافية صمود الحريري وكرامته الشخصية. وحاولت أن تدب الفرقة بينه وبين شقيقه، بل وعمته، النائبة بهية الحريري، إحدى الشخصيات الوطنية الكبرى في البلد. مناورات صغيرة في أزمة كبرى، وحالة تتدهور في تسارع مقلق ومخيف. ومرة جديدة دول صغيرة في صراع كبير. لكن الاستقالة لا تحتمل القراءة السطحية، ولا العاجلة كالمعتاد.

تتحدث السعودية بلغة لا تحتمل التفسير والتأويل. فهي تتعرض منذ سنوات للانقضاض على أمنها القومي. وقد تغاضت بكل كِبَر عن تسجيلات التآمر على أمنها وحياة ملكها الراحل مع معمر القذافي. لكنها اكتشفت أن فضائل العفو لم تعد قائمة في السياسات الراهنة؛ إذ تُفسَّر على أنها علامة ضعف وتردد. أحداث الآونة الأخيرة تؤكد أن التردد لم يعد مفيداً، سواء في الداخل أو في الخارج. ولذا، يبدو كل قرار صادر عن الرياض الآن، كأنه مفاجأة للجميع، أما الحقيقة، فهو قرار مؤجل، وجزء من رؤية مختلفة لأمن البلاد الوطني والقومي معاً.

أتابع سياسات المملكة منذ عقود، وكذلك أزماتها، والحروب التي أحاطت بها، والمآزق التي مرت بها علاقاتها العربية والدولية... ولم يعد ثمة شك في أن الدبلوماسية السعودية أصبح لها نبض آخر، هو النبض الذي يصبح ملزماً عندما يصبح مطار الرياض، الذي اعتاد أن يستقبل 15 مليون مقيم، هدفاً لصاروخ باليستي

الشرق الاوسط.

"عشرات الآلاف من المعتقلين في مصر يُعاقبون بالحبس الاحتياطي"

إضراب شامل عن الطعام والشراب والدواء أعلنه أ. عصام سلطان المحامي ونائب رئيس حزب الوسط في جلسة المحكمة في القضية المعروفة إعلاميا بفض رابعة، والتي انعقدت في 17- 10- 2017، وذلك
احتجاجا على استمرار حبسه لمدة تزيد على أربع سنوات

وصف المحامي "سلطان" وضعه القانوني وكذلك وضع غالب المتهمين في القضية (340 متهما) بأنهم مخطوفون، حيث تنطبق أركان جريمة الخطف عليهم (عدا المحكومين في قضايا أخرى وهم 15 متهما فقط)، وانقضى أسبوع كامل ظهر أ. عصام سلطان بعده في الجلسة التالية 24- 10- 2017، وهو يكاد يسقط من الإعياء في حالة صحية متدهورة نتيجة الإضراب، انخفضت نسبة السكر في دمه لأقل من 45
أراد سلطان بهذا الإجراء القاسي والخطير فيما يبدو أن يدق ناقوس الخطر، وأن يعلق الجرس في رقبة القط ليلفت أنظار القضاة والساسة والأحرار في مصر والعالم أجمع إلى الوضع الشاذ والعوار الواضح الذي تعانيه منظومة القضاء تحت حكم الانقلاب، وتحديدا ما يتعلق بالحبس الاحتياطي وأوضاع السجون في مصر المحروسة، ولكن لقد أسمعت إذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي!! ولماذا يأبه الانقلاب وأدواته لإضراب أو حتى موت – لا قدر الله – سياسي مصري مرموق احتجاجا على إساءة تطبيق القانون أو بتعبير أدق عدم تطبيق القانون 


هذا هو حال عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين وليس عصام فقط، تحت اسم زائف هو الحبس الاحتياطي وما ذلك إلا ليتسنى لقائد الانقلاب ورجاله أن يتبجحوا في الرد على أسئلة المراقبين والمحللين ويؤكدون أنه لا يوجد في مصر معتقل سياسي واحد!! في أسوأ توظيف للتشريع المصري والقضاء المصري والنيابة العامة المصرية بما يقضي على سمعتها جميعا وعلى حيدتها جميعا


مثال صارخ آخر في نفس السياق: الدكتور صفوت عبدالغني القيادي البارز في حزب البناء والتنمية المحبوس احتياطيا! منذ ما يقرب من أربع سنوات على ذمة قضية تحالف دعم الشرعية، والتي أُخلي سبيل جميع المتهمين فيها عداه هو وزميله في الحزب د. علاء أبو النصر. أعلن الدكتور صفوت إضرابا مفتوحا عن الطعام إثر تعرضه لمهزلة جديدة تلصق زورا بمنظومة القضاء والعدالة وهي منها براء!!، ضرب د. صفوت ود. أبو النصر خلال السنوات الأربع الماضية الرقم القياسي في عدد مرات إخلاء السبيل التي حصلوا عليها في القضية سالفة الذكر (7 مرات إخلاء سبيل) من المحكمة في دوائر مختلفة، وفي كل مرة تستأنف النيابة على قرارات إخلاء السبيل أمام دوائر الإرهاب التي تأمر بتجديد حبسهما مرة أخرى، حتى اُستدعى من سجنه إلى نيابة أمن الدولة العليا ليفاجأ بالتحقيق معه في قضية جديدة، وهي القضية 316 لسنة 2013!! التي خرجت بنزع شيطان وليس بقدرة قادر كما يقال من الأضابير فجأة لتواري سوءة النظام، سوءة اسمها الحبس الاحتياطي لمدة أربع سنوات!! ليعلق صفوت عبدالغني إضرابه عن الطعام ويُنقل بعدها بيومين من سجن شديد الحراسة "العقرب" إلى مستشفى ليمان طرة ولا يزال هناك للآن  !


كيف تحول الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي إلى عقوبة مغلظة دون حكم قضائي؟ الحبس الاحتياطي إجراء احترازي من سلطة النيابة والمحاكم خشية هروب المتهم والتأثير على سير التحقيق، وكما يصفه الفقه القانوني إجراء بغيض لأنه ضد البراءة الأصلية التي يتمتع بها المواطن وحيثما وجدت الأنظمة المستبدة حيث يخضع القضاء والنيابة للسلطة التنفيذية يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقاب خارج القانون


في عام 2006 وأثناء مناقشة تعديلات مقترحة على قانون الإجراءات الجنائية طرح نائب الإخوان المسلمين المحامي البارز أ. صبحي صالح "المحبوس حاليا" أوضاع بعض من التقاهم داخل السجون فاقت مدة حبسهم الاحتياطي سبع سنوات!! وقتها تعجب فتحي سرور رئيس المجلس "أستاذ القانون الجنائي" وأنكر وجود ذلك بالكلية وعجزت الحكومة وقتها عن الرد، وكان تعديل جوهري لقانون الحبس الاحتياطي أبرز معالمه: 1- وضع سقف لمدة الحبس الاحتياطي لا يزيد عن سنتين، 2- حق المحبوس في استئناف قرار النيابة أمام إحدى دوائر الاستئناف ووجوب تسبيب قرار النيابة مع حق الأخيرة في استئناف واحد (على عكس القواعد المستقرة،ن احتياطيا دون إحالة للمحاكمة واستمر العمل بالقانون حتى وقع الانقلاب الدموي في 2013، والذي أصدر ما يزيد على 300 قانون وتعديلات على قوانين تتيح له إحكام السيطرة على البشر ومصادرة حريات المواطنين في غيبة أي مجلس نيابي، وحينما أكمل فصلا آخر من فصول المسرحية الهزلية فأجرى انتخابات برلمانية شهد القاصي والداني بعوارها، وفي غيبة القوى السياسية الكبرى "بصم" أولئك الذين احتلوا مقاعد النواب على كل القوانين الـ300 دون كلمة رفض خلال الأيام الأولى من عمر المجلس اللقيط!!


ومع الوقت ولأن البعض أصبحوا ملكيين أكثر من الملك، فقد تبارى هؤلاء في إصدار المزيد من التشريعات التي قيدت العمل الأهلي، وألغت كثيرا من الحقوق الأساسية التي كفلتها الدساتير المصرية المتعاقبة، وكان منها وهو ما يعنينا في هذا المقال التعديل الذي صدر على قانون الحبس الاحتياطي الذي يعطي محكمة الموضوع التي أحيلت إليها قضية من محكمة النقض بتجاوز مدة السنتين في الحبس الاحتياطي فقط (أي أن المدة المقررة للحبس الاحتياطي أمام النيابة وأمام محاكم أول درجة لا تزال 6 شهور للجنح وسنتين للجنايات حتى تلك المطلوب فيها بإعدام المتهم)، ومع ذلك فإن أغلب المحبوسين احتياطيا في سجون مصر حاليا قد تجاوزوا تلك المدة بسنوات 


أما عن معاملة المحبوس احتياطيا داخل السجون فحدث ولا حرج، فلقد تم مصادرة جميع الحقوق التي كفلها الدستور، والتي تضمنتها القوانين واللوائح، وأصبحت المعاملة تتم بناء على التعليمات الشفوية التي تتغير من شهر لشهر ومن أسبوع لأسبوع ومن يوم ليوم ومن ساعة لساعة، وهي صادرة بالطبع من الرئاسة والمخابرات الحربية والمخابرات العامة والأمن الوطني وأخيرا مصلحة السجون (إن بقي لها دور)


وخذ مثالا: سجن العقرب (حيث لا حقوق للسجين أصلا) غالبية النزلاء هم من المحبوسين احتياطيا لذلك تعددت محاولات الهروب بسبب التعذيب والقسوة ومصادرة حقوق المحبوسين، وقد تحدث أ. عصام سلطان عن التعذيب ومفهومه حين جادله ضباط السجن في تصور عجيب من قِبلهم عن مفهوم التعذيب، اختزلوه في الاعتداء الجسدي المباشر مثل الضرب والتعليق والصعق بالكهرباء في أماكن حساسة، وكأن الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد ليس تعذيبا وما يؤدي ذلك إلى حالات الوفاة المتكررة (د. فريد إسماعيل، وم.عصام دربالة، وأ.نبيل المغربي، والشيخ مرجان سالم وغيرهم)، وكأن الحرمان من النوم بسبب أسراب البعوض المتوحشة التي تنشأ وتترعرع على مياه الصرف الصحي التي تحاصر المحبوسين من كل مكان ببعوضها وروائحها الكريهة ليس تعذيبا!!، وكأن الحرمان من زيارة الأهل (أكثر من ثلث سكان العقرب محرومون من الزيارة لفترات تصل إلى سنة كاملة)، وكأن مصادرة الأطعمة من الزيارات ومنعها عن المحبوسين ليس تعذيبا، وكأن حملات التفتيش والتجريد التي تتم بغرض التكدير وتستولي على كل ما تجده من متعلقات المحبوس التي اشتراها بماله من كانتين السجن بما فيها الأطعمة والأدوية والملابس والكتب الدراسية ليس تعذيبا، وكأن نزع المراتب والمخدات والحرمان من تشميس البطاطين ولو على فترات متباعدة لتطهيرها والوقاية من الأمراض الجلدية ليس تعذيبا، وكأن الحرمان من التريض لما يقرب من عام والبقاء 23 ساعة داخل الزنزانة وساعة واحدة داخل الأنبوبة "الممر" وعدم رؤية الشمس أو شم نسمة هواء نظيفة غير ملوثة لفترة قاربت السنة ليس تعذيبا!! وكأن الوقاية من الأمراض وإهمال علاج الحالات الطارئة ليس تعذيبا وكأن.. وكأن.. ساء ما يحكمون


إن إساءة استخدام قانون الحبس الاحتياطي والتغول في تنفيذه والتوظيف السياسي له للتضييق على الخصوم إنما هو انحراف بالسلطات جميعا قد لا يكون مسئولية منفردة لطرف واحد بعينه.. فعلى من تقع المسؤولية؟


أولا: هل تقع المسئولية على قائد الانقلاب ومجموعاته الوزارية والرئاسية فقط؟
ثانيا: أم تقع كذلك على النيابة العامة التي حولت الحبس الاحتياطي إلى عقوبة والتي لا يتوقع أنها تقوم بواجبها في التفتيش على السجون أو التحقيق في البلاغات المقدمة إليها عن انتهاكات السجون


ثالثا: أم تقع على القضاة الذين قد ينتهكون القانون سواء عند تجديد الحبس الاحتياطي أو أثناء نظر القضايا، حيث أن إخلاء سبيل المتهمين على ذمة القضية هو من صميم سلطتهم التقديرية (وتكفي حالة المغفور له مهدي عاكف الذي أصر القاضي على استمرار حبسه برغم مرضه العضال وحالته السيئة والتقارير الطبية المحايدة تؤكد أنه في مرض الموت حتى لقي ربه شهيدا.. ألا تكفي هذه الحالة الصارخة مثالا؟

رابعا: أم تقع كذلك على الأمن الوطني الذي نصب نفسه قيما على حماية بيضة الانقلاب وليس على أمن الوطن كما يشير اسمه، والذي يضيف بشكل يومي العشرات والعشرات إلى قائمة سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا في قضايا سياسية ويصنع العنف صناعة ويدخل البلد كله في دائرة جهنمية لا تنتهي 

خامسا: أم تقع على عاتق مصلحة السجون كذلك؟ بما تخلت عن مسئوليتها المباشرة في إدارة كل ما يتعلق بالسجون وسمحت بتدخل كل الأجهزة النافذة الأخرى من خارج وزارة الداخلية ومن داخلها، بل وجعلت من نفسها مخلب قط تتلقى وتنفذ تعليمات الانقلابيين حتى لو أدى الأمر إلى هلاك النزلاء


سادسا: وهل تخرج فئة من الإعلاميين من دائرة الاتهام؟ أولئك الذين لا يتوقفون عن التحريض والتهييج ضد كل شريف في هذا الوطن أو ضد كل معارض.. ووضع الجهات التي يفترض حيدتها في التنفيذ مثل مصلحة السجون وغيرها.. دائما في موقف المتهم بالتعاطف أو التواطؤ مع أعداء الانقلاب في سياسة مكشوفة للابتزاز الرخيص

سابعا: وهل يمكن استبعاد فئة شاذة ممن يحشرون أنفسهم ظلما ضمن زمرة الحقوقيين، وهم في حقيقة الأمر أبعد ما يكونوا عن هذا الاسم، هؤلاء الذين سخروا جهدهم للدفاع عن انتهاكات حقوق السجناء ولتجميل وجه الانقلاب القبيح في داخل مصر ولدى المؤسسات الدولية؟
ثامنا: أليس منهم كذلك زمرة من السياسيين الذين استمرأوا خداع أنفسهم وخداع الآخرين وقرروا أن يركبوا مع الانقلاب في نفس المقصورة حتى نهاية الرحلة إلى الهاوية! وفي حين أفاق زملاؤهم الذين خُدعوا حينا بالانقلاب أو دفعتهم كراهيتهم للحركة الإسلامية إلى دعم الانقلاب، لكنهم أبصروا المصير المظلم فأدركوا حقيقة الخديعة.. فلهذه الفئات الثمانية أقول أليس منكم رجل رشيد؟ أما لكم من أوبة؟ أما لجوركم من نهاية؟

ويبقى الأمل دائما بعد الله تعالى في الشعب المصري الواعي، قد تنخدع بعض فئاته بشعارات الزيف، ولكنه دائما واع وسريع الفيء للحق. قد يُلجم بعض فئاته حينا بدافع الخوف من البطش والظلم، لكنه أبدا شعب أبيّ، قد يتغافل حينا لكن ساعة الحساب واقتضاء الحقوق ممن ظلمه عسيرة، ولعلها قريبة بإذن الله.

ومن يدري، فربما يكون الحبس الاحتياطي وغيره من الأدوات الرخيصة الهابطة التي يلجأ إليها الانقلاب المفلس، ربما كانت هذه الأدوات على ما تحمله للمحبوسين من معاناة وما فيها من قسوة دافعا خفيا لإذكاء المشاعر وشحذ الهمم لفضح القهر والظلم وسرقة حلم الشعوب الكريمة في الحرية والعيش والكرامة الإنسانية.

الاستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري كانت من العيار الثقيل، أي ليست مجرد استقالة عادية، تماثل ما شهدته الحياة السياسية من استقالات سابقة في بلد الطوائف والمصارف، ولا تخاطب هذه الأزمة المرشحة للتفاقم الداخل اللبناني وحده، كما أن انفجارها في هذا الوقت الحرج لم يكن ناجماً عن عوامل ذاتية محضة، الأمر الذي يمكن معه وصف ما حدث على أنه زلزال سياسي محلي بارتدادات اقليمية واسعة، قد تفضي إلى إعادة تغيير قواعد اللعبة، التي استهلكتها سلسلة من الاختلالات والتحولات والانهيارات في التوازنات القديمة.
وفق هذه الرؤية، تبدو استقالة سعد الحريري نقطة فاصلة بين زمنين في حياة البلد الصغير، وفاتحة عريضة لجملة من التطورات التي قد تنقل لبنان من خانة صندوق البريد بين المتصارعين في المنطقة، الى ساحة المواجهة المباشرة بين القوى المتنافسة على النفوذ والسيطرة والمصالح المتناقضة، في رقعة جغرافية أوسع من حدود بلاد الأرز، وهو ما يعني ان العرب وغير العرب، بمن فيهم الإيرانيون والاسرائيليون، معنيون بهذه الاستقالة المدوية، لا سيما إن انطوت على تصعيد كبير في لهجة الخطاب الموجه ضد إيران المهيمنة على مفاتيح السلطة اللبنانية.
ولعل أول التبعات المحتملة لهذه الاستقالة النادرة، التي حدثت عبر فضاء البث التلفزيوني، دخول لبنان في حالة استعصاء مديدة، قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات، وتفريغ المؤسسات وتقويض الشرعيات، وتأجيل الانتخابات المقررة في ربيع العام المقبل، الأمر الذي  سيفتح الباب على مصراعيه أمام أزمة داخلية تعيد خلط أوراق اللعبة السياسية، وتفضي بالضرورة الموضوعية إلى انهيارات اقتصادية شديدة الوطأة على العملة الوطنية، وعلى النظام المصرفي الموصوف كقلعة الصمود الأخيرة، وهو ما يحسب له اللبنانيون ألف حساب، قبل أن يعددوا خسائرهم الأخرى.
على أن ما يهمنا نحن في المحيط المجاور للبنان، ويدعونا إلى الإشفاق والتحسب والخشية من مغبة التطورات المتوقعة في بلد التوازنات الهشة، هذا التسخين المفاجئ للمناخ السياسي في الإقليم الملتهب أساساً، وهذا التصاعد الهائل في الأخطار المحدقة بالمنطقة القابلة للاشتعال بسرعة، ناهيك عن الارتفاع الصارخ في الرهانات على وقوع عدوان اسرائيلي جديد، بعد أن ارتفع الغطاء، وتهيأت الأجواء أكثر من ذي قبل، لوقوع ما يطلق عليه حرب لبنان الثالثة، هذه الحرب التي لم يعد السؤال المتعلق بها؛ هل ستنشب أم لا، وإنما متى ستحدث، وما مدى اتساع رحاها؟.
إزاء ذلك، يبدو كل هذا الاهتمام باستقالة الحريري مشروعاً ومفهوماً بالكامل، وكل هذه التغطيات الإعلامية الكثيفة منطقية تماماً، طالما أن الحدث اللبناني شكّل ما يشبه الانقلاب على دويلة حزب الله القابضة على مفاصل الدولة المغلوبة على أمرها، وأن فائض القوة الكامنة لدى هذا الحزب، أو قل هذه الذراع الإيرانية، لم يتم تصريفها بعد، وفضلاً عن ذلك، فإن خطوة الحريري هذه تظل بلا معنى، إن لم تكن ممهدة لخطوة أخرى قادرة على توظيف ما خلقته من تداعيات لا تزال في طور مخاضها الأول، في صورة مكاسب سياسية، أحسب انها ما تزال عسيرة.
    وإلى أن تتضح مفاعيل هذه الاستقالة المفتوحة على كل الاحتمالات الممكنة، باستثناء الاقتتال الأهلي، فإن الأنظار سوف تظل مشدودة، خلال الأسابيع المقبلة، ليس فقط نحو الداخل اللبناني المتخوف من المضاعفات السليبة على أمنه واستقراره ومعيشته اليومية، وإنما أيضاً نحو ما قد يقع من تطورات غير مستبعدة في الجنوب النائم على أكثر من مائة ألف صاروخ، تهيأت اسرائيل طويلاً للتعامل معها، وهددت باستهداف لبنان كله، وإعادته الى عصر ما قبل الكهرباء، إذا دخل الجيش اللبناني طرفاً في معركة، من المقدر لها أن تكون أشد هولا من كل سابقاتها.
نحن إذن أمام ما هو أبعد من أزمة حكومية كسابقاتها، أي أمام أزمة حكم مزمنة، وقعت هذه المرة في خضم مرحلة انتقالية، يحتدم فيها الصراع الإقليمي والدولي على صياغة مستقبل هذه المنطقة التي تغصّ بمشكلات لا حلول لأي منها في المدى المنظور، الأمر الذي يجعل مما جرى في لبنان، أزمة ساخنة إلى ما تحت درجة الغليان بقليل، مضافة إلى جملة الأزمات الأخرى المستحكمة بحاضر الشرق الأوسط كله

الغد.

يمكن بحق تسمية ليلة الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر بليلة السكاكين الطويلة في المملكة العربية السعودية

بدأت الليلة بإقالة الأمير متعب بن عبد الله، ابن الملك الراحل عبد الله ورئيس الحرس الوطني السعودي، تلك القوة القبلية التي أنشئت خصيصاً لحماية العائلة الملكية الحاكمة ومناطق النفط المهمة في المملكة 

السيطرة على آليات الجبر والقهر في السعودية

منذ تكريس وجودها في ستينيات القرن الماضي بمساعدة من بريطانيا، تخلصت مؤسسة الحرس الوطني السعودي من ماضيها كمليشيا قبلية أسسها مقاتلو الإخوان الذين شنوا الجهاد على السعوديين في السنوات الأولى من عمر المملكة لتصبح قوة مسلحة حديثة توازي الجيش وغيره من القوات الأمنية

في ذلك الوقت، كان النظام يفضل وجود قوات جبر وقهر متعددة يقودها عدد من الأمراء خشية وقوع انقلابات عسكرية مثل تلك التي سادت مصر وسوريا والعراق في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. فبعد أن أحبطت عدة محاولات انقلابية من قبل ضباط الجيش في أواخر الستينيات، قرر النظام بقيادة الملك فيصل أن وجود عدة تشكيلات عسكرية سيكون أفضل للأمن من جيش قوي وموحد 

فيما بعد، أصبح الحرس الوطني قاعدة نفوذ الملك عبد الله وإقطاعيته التي أمكن من خلالها الإبقاء على علاقات الراعي والرعية بين النظام والقبائل داخل المملكة العربية السعودية. ثم ورث ابنه متعب منصب قائد الحرس الوطني السعودي في حياة والده عندما كان ملكاً، إلا أنه وفي ضوء توجه محمد بن سلمان العنيف نحو التحكم بجميع آليات الجبر والقهر السعودية، بما في ذلك الجيش وقوات الأمن، بات الحرس الوطن السعودي آخر الوحدات المستهدفة 

ونظراً لأن محمد بن سلمان على يقين بأن أياً من الأمراء لن يجرؤ على تحديه إذا لم يكن مسنوداً بميليشيا مسلحة، فقد كان حريصاً على إنهاء نفوذ ابن عمه الكبير على آخر جهاز أمني من المحتمل أن يشكل خطراً على حكمه. 


المدهش في الأمر أنه انتظر طويلاً قبل أن يقوم بهذه الخطوة. 
 
عملية تطهير غير مسبوقة

منذ أن وصل محمد بن سلمان إلى السلطة في عام 2015 كان متوقعاً أن يُخلع متعب من منصبه فجأة وفي أي لحظة كما حصل مع ابن عمه الآخر ولي العهد السابق محمد بن نايف الذي أقيل ووضع تحت الإقامة الجبرية في تموز/ يوليو. وذلك أن محمد بن سلمان بدأ منذ اليوم الأول تنفيذ عملية تطهير غير مسبوقة داخل العائلة الملكية الحاكمة مركزاً على كبار شخصيات الجيل الثاني من الأمراء الذين يحتمل أن يشكلوا تهديداً له بينما يسعى جاهداً لفرض سيطرته التامة على المملكة. 

بات الآن الحاكم الفعلي للبلاد بحكم الأمر الواقع وقد لا يطول بنا المقام قبل أن نراه متوجاً بشكل رسمي.

يتوقف ذلك بالطبع على ما إذا قبل والده طوعاً التنازل عن العرش أو انتظر حتى يجبر على الخضوع لإرادة ولده. وبعد أن غُيب متعب وأصبح في خبر كان، ها هو محمد بن سلمان يوجه نظره تجاه الأمراء الأثرياء لئلا تستخدم ثرواتهم وقوداً في معارك قد تندلع في المستقبل لمنازعته السلطان

خلال ساعات قليلة من صدور مرسوم بتأسيس هيئة لمكافحة الفساد يرأسها ولي العهد محمد بن سلمان ألقي القبض على أحد عشر أميراً وعلى عدد من الوزراء ووضعوا رهن الاعتقال. جاءت عملية التطهير المدروسة والتي نفذت على أعلى المستويات عن سبق إصرار وترصد لتعكر صفو الساعات الأولى من الليل 

لم يأت الإعلان السعودي الرسمي على أسماء معظم الأمراء المعتقلين، إلا أن الملياردير والمستثمر الدولي الأمير الوليد بن طلال، الذي يملك شركة المملكة القابضة، كان واحداً منهم. كان من الممكن للأمراء الأثرياء أن يستخدموا ثرواتهم الهائلة في تحدي حكم محمد بن سلمان، وفي تمويل المعارضة في الخارج، وفي زيادة وتيرة وحدة التغطية الإعلامية المنتقدة لسياسات محمد بن سلمان الاقتصادية وتوجهاته الاجتماعية. 

من الوارد في حالة الوليد بن طلال أن تقف أذرعه المالية واستثماراته الكبرى موقف المنافس لتلك الخطط التي أعلن عنها محمد بن سلمان ضمن رؤيته الاقتصادية المعروف برؤية 2030، كما يمكن في أي وقت أن تتحول إمبراطورية ابن طلال الإعلامية "روتانا" بما تقوم به من تغطية واسعة للأحداث في السعودية إلى حجر عثرة في طريق الأمير الطموح.  

ولم ينج من عملية التطهير حتى الوزراء الذين عينهم محمد بن سلمان بنفسه، والذين يعتقلون الآن بحجة مكافحة الفساد. فقد فقدت وزارة الاقتصاد عادل فقيه، وزيرها الذي حل محله محمد التويجري الذي قد يكون أداة طيعة لتنفيذ المزيد من خطط الخصخصة والسعودة انسجاماً مع خطط الأمير الاقتصادية. 

سيطرة الأمير

لم يكن كل ذلك كافيا في ليلة واحدة، فقد هرع سكان الرياض على وقع صوت انفجار ضخم، تبين فيما بعد أنه صاروخ بالستي أطلق من اليمن مستهدفاً مطار الرياض. أعلنت السلطات فيما بعد أن الصاروخ تم اعتراضه في الجو وأنه لم تقع بسببه أي إصابات

تخوض المملكة العربية السعودية حرباً مضى عليها ثلاثة أعوام دون أن تحقق النصر الذي توقعه محمد بن سلمان، وزير الدفاع وولي العهد. 

بدأت الحملة الجوية السعودية على اليمن في نيسان/ إبريل 2015 بذريعة حماية الحدود السعودية الجنوبية، ومنذ ذلك الوقت اكتسبت الصواريخ اليمنية قدرة على الوصول إلى قلب عاصمة المملكة.

ولكن ما لبث الاهتمام بخبر الصاروخ البالستي وتداعياته أن تراجع تحت وطأة المفاجأة التي نجمت عن أخبار عملية التطهير المكثفة والتي نفذت على أعلى المستويات. 

لربما شعر محمد بن سلمان الآن بالأمان بعد أن أقال أبناء عمومته من مناصبهم وبعد أن حظر سفر الآخرين واعتقل البقية تحت حراسة مشددة داخل فنادق الرياض ذات الخمس نجوم. 

إلا أن الشعور بالأمان بعد القيام بمثل هذه المجازفات الخطيرة قد لا يكون الوضع الأمثل للشاب المستبد الذي أثبت أنه لا يتسامح حتى مع الصمت، حيث أنه يصر على أن يصرح الجميع دونما مواربة بدعمهم لمخططاته واختياراته. 

وكل من يمتنعون عن إبداء مثل هذا الدعم العلني المبتذل ويرفضون الإشادة بتصريحاته فمصيرهم الاعتقال، وهذا ما حدث بالضبط عندما غيب في السجون عدداً من رجال الدين والمهنيين لمجرد أنهم بقوا صامتين تجاه أزمته مع قطر. 

من الصعب تصور كيف يمكن أن تنشأ مملكة حديثة ومتقدمة اقتصادياً من خلال ممارسة الغيبة والنميمة وحملات التطهير التي تجري على أعلى المستويات. لا يوجد قضاء مستقل ونزيه بإمكانه أن يتعامل مع قضايا الفساد، ولا يوجد مجلس عائلة ملكي لضبط سلوك الأمير الشاب الشارد والمتقلب، ولا توجد معارضة منظمة ذات مصداقية بإمكانها أن تحد من نفوذ الأمير وهيمنته على مقاليد الأمور في البلاد. 

في مثل هذا الوضع يحدق العنف بالمملكة، حيث سيسهل على من لديهم القدرة على ممارسته القفز لملء الفراغ الذي أوجده حكم ابن سلمان المستبد، والذي لا يتورع عن إسكات حتى أبناء عمومته ناهيك عن عامة الناس الذين لا حول لهم ولا قوة ولا يملكون سبيلاً للوقوف في وجهه. 

ما فتئت المملكة العربية السعودية منذ نشأتها تحكمها إقطاعيات يملكها كبار الأمراء، إلا أن ولي العهد محمد بن سلمان يسعى بجد الآن لتحويلها إلى ساحة لا ينازعه فيها أحد

عربي21.

الهندام اسم مشتق من هَنْدمَ. وهَنْدمَ في قاموس المنجد في اللغة العربية المعاصرة تعني: أصلح على مقدار مناسب ونظام حسن، أو ألبس ثياباً حسنة المظهر والترتيب. والشخص المُهندَم هو الشخص المتأنق أو الأنيق. والهندام – إذن – هو حُسْنُ القد وتنظيم الملابس، أو إضفاء المرء لمظهر جميل على شخصه. وقد قيل: يستقبل المرء (مبدئياً) حسب ملابسه ويبقى أو يُطرد حسب أدائه. وتقول العرب: منظره ينبئك عن مخبره. 
ظل المعلم/ة أنيقاً/أنيقة في هندامهما إلى أن أطاحت العولمة بهما،  أو - على الأصح–  إلى أن أطاح بنطال الجينز بهما. البنطال الذي ألّهه الأميركيون لدرجة تباهي الرؤساء الأميركيين بارتدائه، وإرسال إشارة إلى الناس في العالم أن "البهدلة" في اللباس اليوم مقبولة. وهكذا صار.
كان المعلمون والمعلمات في الأردن قبل ذلك أنموذجاً لجميع الناس في الهندام أو اللباس. وكان المعلم/ة في الشارع يعرف من هندامه، لأنه يختلف فيه عن بقية الناس. وكان التلاميذ والتلميذات ينظرون إليه باحترام وإعجاب متمنين ذلك اليوم الذي يحاكونه فيه بالهندام. 
أما اليوم، فقد انقلب فيه الوضع، فقد صرت لا تميز المعلم/ة عن بقية الناس ولا تعرفهما، وحتى إذا دخلت مدرسة عامة في أثناء الاستراحة فإنك لا تستطيع التمييز بينهم وبين التلاميذ والتلميذات، لأنهم يتشابهون في الهندام أو اللباس أي أنه مثلما كان المعلم/ة في الأمس يعرف من هندامه صار اليوم لا يعرف منه، وكأن إهمال الهندام عند الكثيرين منهم بمثابة احتجاج على عملهم في التعليم أو على الوضع العام. وعندما يحاول معلم/ة التميز بهندامه كما في الأمس فإنهما يتعرضان للسخرية من الزملاء والزميلات وربما الشجب. 
لقد تعرّض الأستاذ إبراهيم بدران في أثناء توليه لوزارة التربية والتعليم إلى هجوم لا يرحم عندما دعا المعلمين والمعلمات إلى الاهتمام بالهندام وكأنه كفر، وإلا لماذا سرعان ما خرج من الحكومة بعدها؟ 
على الرغم من التحولات المظهرية التي اجتاحت العالم في عصر العولمة والجينز، فقد بقي لهندام المعلم/ة في أميركا وغيرها أهميته، ويشار إليه في عقد العمل حيث لكل مدرسة (أو دولة) دليل (Code) خاص به لا يجوز تجاوزه، بل إن بعض المطاعم والنوادي في أميركا لا تسمح بدخول من يكون لابساً لبنطال الجينز. 
وعلى سبيل المثال نذكر أنه تم في بعض المدارس الأميركية إحالة المخالفين إلى القضاء لمخالفتهم للدليل. ومن ذلك أنه تم طرد معلم من مدرسة لأنه ملتح. كما لم يجدد عقد معلم للحيته وطول شواربه. وجرى توجيه إنذار لمعلم لأنه لم يلبس ربطة عنق، وقد أيدت محكمة ذلك في قرار لها قائلة: إنه بالنظر إلى الدور الفريد والمؤثر للمعلم/ة في غرفة الصف والمدرسة فإن لمجلس التربية والتعليم الحق في فرض "الزي" الذي يريد على المعلمين والمعلمات، فالمعلم/ة كموظف عام يمثل مركزاً من الثقة العامة، ومن ثم فإنه يجوز إخضاع المعلمين والمعلمات لقيود معينة في أثناء عملهم، فمصلحة المعلم/ة الخاصة يجب أن تخضع للصالح العام. إن لعدم تقيد المعلم/ة بهندام مناسب آثاراً سلبية على التلاميذ والتلميذات". 
نعم، لم تعد معايير الأمس ومقاييسه مناسبة لهذا اليوم، ولكنه يظل يُتوقع من المعلمين والمعلمات أن يكونوا نماذج تحتذى لتلاميذهم وتلميذاتهم، فلهندام المعلم/ة ولياقته البدنية والنفسية تأثير خفي إيجابي أو سلبي عليهم وعلى عملية التعلم والتعليم، فإذا كان لباس المعلم/ة "مبهدلاً" وشكله منفراً فإن التأثير السلبي عليهما يكون واضحاً، وبالعكس إذا كان المعلم/ة أنيقاً / أنيقة ومليح الوجه ومعتدل القامة مما يوجب مقابلة طالبي وطالبات التعيين مسبقاً للتأكد من سلامة الوجوه والقوام... من العوار قبل التعيين.
يشاهد التلاميذ والتلميذات معلميهم ومعلماتهم طيلة النهار، ويعلّقون عليهم من خلال هندامهم، فينفرون منهم أو يحاكونهم الآن ومستقبلاً. 
وأخيراً، فإن لكل جماعة زيها اللازم التقيد به في أثناء القيام بالواجب، فللقضاة والمحامين زيهم في المحكمة، وللأطباء زيهم في العيادة والمستشفى ، وللجنود والشرطة زيّهم في أثناء أداء مهامهم، وللكشافة زيهم، وهكذا دون أن يعني ذلك الدعوة إلى فرض زي موحد على المعلمين والمعلمات، وإنما إلى ضرورة تحلّيهم بقدر لائق من الهندام وبحيث يشكل إضافة جميلة إلى المناخ المدرسي

الغد.

 

كغالبية الأردنيين، فوجئت بقصة «العاصمة السياسية الجديدة» للأردن. وغلبت على ردود الفعل الشعبية السخرية بالمقارنة بالعاصمة التي أعلن عنها السيسي، والتي دافع عنها بكونه «يحق للمصريين أن يحلموا» بمشاريع ضخمة، فيما جيوب الشعب خاوية حتى من كلفة الخبز..كما حالنا. ولكن لكون رئيس حكومتنا أكد أن الخزينة لن تتحمل، والأهم لن تقترض، كلفة إنشاء العاصمة الجديدة، فإننا نأخذ إعلانها مأخذ الجد ونساهم هنا برؤيتنا لجدوى المشروع، وحتى لجهة أين ينبغي أن يقام، قبل أن يتم اختطافه ككل المشاريع التي دفعنا للخاطفين فديتها..ومع ذلك لم نرها تتحقق.

نبدأ بموقع العاصمة الجديدة، ونرى أن إنشاءها يجب أن يكون لجهة الجنوب على الطريق الصحراوي الواصل للعقبة. فالأرض منبسطة (طبيعة عمان الجبلية إحدى أسباب أزماتها، وجبليّ مثلها محيطها الغربي والشمالي)، وخالية من بعد مباني مطار عمان الدولي، الذي وجدوده قريباً من العاصمة السياسية ضروري. ويتفرع من الطريق الصحراوي طريق تؤدي للحدود العراقية. وهي ميزة تجارية تستوجب الاستثمار بإحياء تلك الطريق التي تربط ميناء العقبة بالعراق وسوريا بخاصة بعد فتح معبري طريبيل ونصيب، كما تربط شاطئ العقبة بالقادمين براً من العراق، ومن الشمال الذي لا يقف عند سوريا ولبنان بل يصل لتركيا وروسيا وأوروبا. فرغم توفر منتجعات شاطئية كثيرة ورخيصة في تركيا وأوروبا، فإن العقبة ستكون قادرة على المنافسة شتاء كما المنتجعات المصرية على البحر الأحمر.

وعدم التصاق العاصمة الجديدة بعمان (كما يقول الإعلان عن المشروع) هام لجهة أن المنطقة بينهما ستملأ تلقائياً وبأسرع مما يخطط لإنجاز المشروع، أي بأقل من خمس سنوات، عن طريق القطاع الخاص، دون أية كلفة على الحكومة بل وباستفادة الأخيرة من عوائد تنظيم ورخص بناء وغيرها. ومكسب عمان الرئيس يتمثل في إحيائها سياحياً كمدينة أثرية، وأيضاً كمدينة حديثة متعددة الإطلالات كونها لا تقوم فقط على سبعة جبال (كما عُرفت عند نشوئها) بل باتت تقوم على ما يزيد على العشرين جبلاً.. ولكن السياحة فيها تتعثر بالمباني التجارية (وحتى بعض المصانع) والوزارات والدوائر الرسمية وبأزمة السير التي ينتجها كل هذا.

وفائدة أخرى لاختيار هذا الموقع تتمثل في إنعاش استثمار مالي وبشري حكومي جرى من قبل ويواجه صعوبات وعدم إقبال لبعده عن عمان وعدم توفر مواصلات مناسبة، وهو جامعات الجنوب. كما أن تيسير، ليس فقط الوصل بمحافظات الجنوب، بل هو هنا الاقتراب الجغرافي من العاصمة السياسية -الإدارية، سينتج إقبالاً على الاستثمار في الجنوب الغني بالثروات المعدنية والطبيعية.

والأهم من هذا كله، الأثر السياسي والثقافي والأمني. فمحافظات الجنوب تشعر(محقة) بالتهميش، بل وبالغربة عن عمان وبخاصة عن الحكومة والمسؤولين والمتنفذين الذين يتمركزون في غرب عمان حيث الوزارات والدوائر العامة ومقار كبريات الشركات المحلية والعالمية. وكلها لا يراها أهل الجنوب إلا لماماً على هامش زيارة اضطرارية لعمل، ويعتبرونها (وبخاصة غربها) قطعة مستوردة من الخارج لجهة نمط حياتها وخدماتها المتطورة..ما ينتج شعوراً بالعداء للحكومة والمؤسسات الرسمية التي ولّدت ثراء فاحشاً مستجداً في أغلبه، فيما كرّست فقراً في الجنوب يفترض أن يكون تجاوزه الزمن. ويعكس حقيقة الأمر ما كتبه أحد سكان شرق عمان في صحيفة قبل بضعة أعوام، عن مغامرته إذ استقل سيارة تاكسي لمنطقة دابوق (حيث القصور الملكية وفلل كبار المسؤولين وأغلب أثرياء البلد)، وجرأته تمثلت في النزول من التاكسي والتجول على قدميه في شوارع دابوق.. وأن الأمر تم بسلام، وكأنه توقع أن يستوقفه أحدهم مستعلماً عن هدفه وأن يطرد، أو حتى يجري توقيفه أمنياً!

وغني عن القول أن التقارب المفتعل، كإرسال وفود رسمية للجنوب، بل وحتى ذهاب وفود شعبية، لا ينتج تقارباً ثقافياً واجتماعياً، بل هو يؤكد أن القادمين من عمان هم الآخرون حتى لو كانوا وفداً شعبياً أو حتى عشائرياً. والمستثمرون المحليون (وليس العرب أو الأجانب بالضرورة) الذين توجهوا للجنوب عوملوا باعتبارهم غرباء جاؤوا ليستفيدوا من ثروات أهل الجنوب، فجرى محاولة فرض توظيف شكلي لبعض أبناء الجنوب كنوع من الضريبة المحلية، كما تفرض الحكومة (المصنفة غرب عمّانية) ضرائبها على أهالي الجنوب. نشر وترسخ الوعي والمعرفة بالاستثمار في المحافظات البعيدة والمهمشة يستحيل في ظل تكريس ذلك البعد وذلك التهميش بدرجة تصعيب التواصل المباشر على الأرض.

هذا إن افترضنا أن مشروع العاصمة الجديدة يهدف لما فهمناه منه..إما إذا صحت مخاوفنا من كون كل ما أسمي انتخابات لامركزية بلا مهمة محددة لمن أوصلوا لمقاعدها سوى الموافقة على تخصيص أراضي المحافظات «للاستثمار»..فإن مشروع العاصمة الجديدة لن يكون أكثر من وهب (يسبقه سلب باسم الاستملاك) أراض لمن يسمّون مستثمرين دون بيان أهداف كالتي بيّنا هنا، وغيرها المتحقق من هكذا مشروع ولا يتسع له حيز مقالتنا.. فإن ما سينتج هو مفاقمة للسلبيات الاقتصادية والسياسية والأمنية القائمة الآن والمرشحة أساساً للتفاقم بعد تسرب عناصر داعش الباحثة عن حاضنات.

الراية

 

في الأسبوع الماضي، وأمام جمهور متحمس في مؤتمر للاستثمار، بدا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان متجهما، حينما تعهد بأن "يسحق المتطرفين"، وبإعادة "الإسلام المعتدل" إلى المملكة العربية السعودية. لقد توعد قائلا: "سوف ندمرهم، الآن وعلى الفور." وأعلن خلال المؤتمر ذاته عن مشروع طموح لمنطقة حرة بتكلفة 500 مليار دولار، من شأنه أن يحول منطقة بمساحة ماساشوستس إلى مركز للتقنيات العالية المستقبلية. 

يعكس ولي العهد ما يشعر به كثير من السعوديين من غضب وإحباط، وهم الذين طالما تشوقوا إلى التخلص من المؤثرات السلبية التي ابتليت بها بلادهم. كنا بانتظار زعيم يدرك أن التطرف، سواء الاقتصادي أو الاجتماعي، ضار بالبلاد. ولعل إمارة دبي، التي بدأت مسيرتها نحو المكانة العالمية المرموقة في 1980، تصلح نموذجا لمعرفة كم خسرت المملكة خلال الأربعين عاما، على الرغم من أنها صاحبة الاقتصاد الأكبر في المنطقة. 

أعرف تماما لماذا يحتد الأمير الشاب محمد. فالوهابية السلفية، تلك الحركة الإسلامية الإصلاحية، انتشرت في أرجاء البلاد، وتمكنت من مفاصلها، وتحولت إلى حركة معادية للحداثة وكارهة للأجانب، وبشكل خاص بعد حدثين سياسيين هزّا المملكة في عام 1979؛ كان الأول قيام مجموعة من السلفيين المتطرفين بالاستيلاء على المسجد الحرام في مكة المكرمة، أقدس بقاع الأرض عند المسلمين. أما الحدث الثاني، فكان استيلاء آية الله الخميني على السلطة في إيران. 

داخل المملكة العربية السعودية، يمكن للمرء أن يلمس النفوذ الضار لهذه الحركة المتزمتة التي ولدت في القرن الثامن عشر في كل أنحاء البلاد، حيث بإمكان الشرطة الدينية التي ترعاها الدولة التدخل حتى في أخص خصوصيات الناس، وأما مناهج التعليم فديدنها التحذير من الكفر والكافرين، بينما يصدح وعاظ التلفزيون بآرائهم المعارضة لحقوق النساء والأقليات، ويستمر الحظر المفروض على استيراد بعض السلع، مثل لعبة الشطرنج وعرائس باربي.

ما من شك في أن الأمير محمد محق في تعقب المتطرفين، لكنه في الواقع يلاحق الأبرياء، حيث ألقي القبض خلال الشهرين الماضيين على العشرات من المفكرين وعلماء الدين والإعلاميين ورموز مواقع التواصل الاجتماعي داخل السعودية، وأغلبية هؤلاء في أسوأ الأحوال إذا صدر منهم نقد للحكومة فهو من أخف أنواع النقد. أما أصحاب الأفكار المتطرفة، فستجدهم داخل هيئة كبار العلماء. 

خذ على سبيل المثال الشيخ صالح الفوزان الذي يكن له الأمير محمد كل الاحترام والتقدير، رغم أنه أعلن عبر التلفزيون أن الشيعة ليسوا مسلمين. وهناك أيضا الشيخ صالح اللحيدان، وهو كذلك يحظى بكثير من التقدير، الذي أصدر فتوى تقول بأن الحاكم المسلم غير ملزم باستشارة الآخرين. لهؤلاء آراء رجعية حول الديمقراطية والتعددية وقيادة المرأة للسيارة، ومع ذلك فهم ينعمون بفضل مرسوم ملكي بالحصانة من النقد أو الدحض. 

كيف يمكن لنا أن نصبح أكثر اعتدالا إذا كانت السلطة تتسامح مع مثل هذه الآراء المتطرفة؟ وكيف يمكن لنا كأمة أن نتقدم حينما يتعرض للإقصاء والتهميش كل من يقدم نقدا بناء أو معارضة (في أغلبها من باب الفكاهة والمداعبة)؟

توجد صفحة في حساب تويتر بعنوان @m3takl_en مكرسة للكشف عن الاعتقالات التي تقع داخل المملكة. وتحتوي الصحفة على معلومات عن الأفراد الذين يقع اعتقالهم، وكثيرون منهم مضى عليهم في الاعتقال أسابيع دون أن توجه إليهم تهم أو يعرضون على محكمة. ويمكن للمتصفح أن يجد هناك تفاصيل عن آرائهم ومواقفهم، كلها مستمدة مما هو منشور في اليوتيوب وفي مواقع الإنترنيت. 

وهؤلاء جميعا يؤيدون التعددية ويرون التنوع داخل الإسلام، على النقيض تماما مما تراه الوهابية. وتجدهم يدعون إلى الانفتاح، والسماح بالتسلية والترفيه، والسماح للنساء بقيادة السيارات، ويعربون عن تأييدهم لحقوق الأقليات. بل لقد ذهب بعضهم إلى حد المطالبة بوضع نهاية لولاية الرجال على النساء، وهي قضية ما تزال موضع خلاف كبير. باختصار، معظم هؤلاء يحملون أفكارا تؤهلهم لأن يكونوا شركاء للأمير محمد في برنامجه الطموح. 

إذن، لماذا ألقي القبض عليهم؟ التفسير الوحيد لذلك هو أنهم أيضا طالبوا بهدوء بالحقوق السياسية. صحيح أن بعضهم مسلمون وهابيون تقليديون، يشتركون في بعض الآراء مع أعضاء هيئة كبار العلماء التي تحميها وترعاها الدولة، إلا أنهم رغم ذلك يختلفون عن أقرانهم في أنهم يعبرون عن معارضتهم لإصلاحات ولي العهد. ورغم أنني شخصيا أختلف معهم، إلا أن من حقهم أن يعبروا عن وجهات نظرهم طالما أنهم لا يحرضون على العنف. 

هل بإمكاننا أن ننجح في تقديم صورة مقنعة لمجتمع عصري، مجهز بالروبوتات ومزدحم بالأجانب والسياح، بينما تكمم أفواه السعوديين على بعد أميال من "نيوم"؟ هل هذه فعلا هي السعودية "الحديثة"؟

عندما دشن رؤيته المعروفة باسم "نيوم" للمملكة العربية السعودية المستقبلية، قال ولي العهد: "أنا واحد من عشرين مليونا، أنا لا شيء من دونهم." أما المفكرون الاثنان والسبعون، الذين يحتجزون الآن وراء القضبان دون توجيه أي تهم لهم، والكثيرون غيرهم ممن حظر عليهم السفر، فربما يتساءلون إذا ما باتوا هم وآخرون مثلهم منبوذين داخل بلادهم. 

عن "واشنطن بوست" الأمريكية

 

أرى بداية من الضروري أن أقدّم توضيحا موجزا بأن نظام ولاية الفقيه سرق ثورة الشعب الإيراني في العام 1979  التي كانت تهدف إلى إسقاط دكتاتورية الشاه وإحلال الحرية والديمقراطية والاستقلال، ويبذل قصارى جهده منذ أكثر من ثلاثة عقود لتكريس سلطته اللاإيرانية واللااسلامية من خلال معاداة الكثير من التقاليد والأعياد الوطنية مثل عيد نوروز والأربعاء الأخير للسنة الإيرانية وعيد مهرجان وحظر هذه المناسبات وقمع المواطنين الذين يقيمونها ، ولذلك تحول احياء هذه المناسبات بالنسبة إلى أبناء الشعب الإيراني منذ سنوات إلى قضايا وطنية لإبداء معارضتهم واستيائهم بشكل عام.

يوم 29 اكتوبر المصادف ليوم احتفاء ميلاد كوروش الكبير، أول مؤسس لميثاق حقوق الانسان في العالم، كان يحظى لاهتمام لعموم المواطنين لزيارة باسارغاد مقبرة كوروش الكبير الواقع في محافظة فارس. في والعام الماضي شهدت البلاد تظاهرة واسعة ضد النظام في هذا اليوم. ولكن في هذا العام وبما أن النظام كان لديه تجربة من العام الماضي في هكذا مناسبة وكان يعلم أن المواطنين يستغلون كل مناسبة في هذه الظروف للتجمع والاحتجاج وتحويله إلى تظاهرات واسعة ضد النظام برمته، وخوفا من اندلاع تظاهرة وتجمع كبير معارض للحكم في باسارغاد، قام قبل مدة باجراء مناورات عسكرية واتخاذ تدابير قمعية واسعة في مختلف مدن محافظة فارس خاصة المدن والمناطق المحيطة بباسارغاد. وعمليا قامت قوات الحرس وقوى الأمن الداخلي بفرض أحكام عرفية في باسارغاد والمدن المحيطة وأغلقت كل الطرقات والشوارع المؤدية إلى باسارغاد ومنعت وصول العجلات اليه وأجبرها إلى العودة.

ولغرض إخافة الناس وخلق أجواء الرعب بين المواطنين، قامت قوى الأمن بمختلف الاجراءات منها تسيير وحدة من راكبي الدراجات النارية من 30 دراجة نحو باسارغاد وأغلقت قوات الحرس كل الطرق المنتهية اليه. وفي ليلة قبل الحادث أطلقت عناصر قوى الأمن في مدينة شيراز النارعلى المواطنين الذين أرادوا تشكيل تجمع في المدينة مما أدى إلى اصابة مواطن بجروح وعمليا فرضت هذه القوات حكما عرفيا غير معلن في المدينة مما يدل على خوف نظام الملالي من تشكيل تظاهرات واحتجاجات.

ولكن رغم كل هذه الاجراءات، وبسبب الازدحام المروري الخانق السائد في كل الطرقات توجه المواطنون في مجموعات كبيرة راجلين مشاة على الأقدام أو راكبين سيارات وعبروا الطرقات والمسيرات الفرعية وحتى تسلقوا الجبال ووصلوا إلى باسارغاد.

ان هذا الحادث يبين جليا أن إيران يعيش على برميل بارود وأن المواطنين يتحينون الفرصة لاستغلال كل الظروف وبشكل خاص في مواكبة الأوضاع الدولية لكي يبدوا معارضتهم لهذا النظام من خلال تظاهرات واحتجاجات.

الواقع أن الفقر والأزمات والبطالة والاقتصاد الإيراني الذي دمره النظام الإرهاب الحاكم باسم الدين في إيران طيلة أربعة عقود، قد تسبب في تبديد الثروات الوطنية للشعب أو تم صرفها لتصدير الإرهاب وإنتاج السلاح النووي وتطوير النشاطات الصاروخية. لذلك يعلم الشعب الإيراني جيدا أنه طالما هذا الحكم قائم على السلطة فان الأزمات تزيد فتزيد وعلى هذا لايرضى الشعب أقل من إسقاط النظام. وبناء على ذلك فان المطلوب ايصال صوت الشعب الإيراني إلى أسماع الهيئات الدولية والرأي العام العالمي وضمّ الأصوات إلى صوت الشعب الإيراني لما يخدم اسقاط هذا النظام المجرم والاعتقاد بأن الشرق الأوسط لن يرى الأمن والهدوء مادام هذا النظام باقيا علي الحكم

(  عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية    * )

 

   في الوقت الذي تتداول فيه وسائل الاعلام بإهتمام ملحوظ تطورات الموقف في  سوريا ، من المهم وضع الجميع في صورة الشواخص الرئيسة في الوضع الحالي والتي سوف تؤثر حتماً على صيغة الحل النهائي للصراع الدائر هناك .

   الحقائق التالية  يجب أن تبقى ماثلة في الذهن طوال الوقت لكل من يريد معرفة حقيقة ما يجرى في سوريا الآن دون عواطف  أو مواربة وبغض النظر عن الأسباب والمسببات لما جرى وما سيجري .  فهذه الحقائق ستحدد طبيعة الحل النهائي للحرب الدائرة في سوريا ، علماً أن معظمها حقائق مفروضة من الآخرين على سوريا وعلى الشعب السوري : 

 أولاً :التواجد الروسي و الأمريكي على الأرض السورية هو الأهم و الأكثر تأثيراً على 

     مستقبل سوريا . وهذا التواجد يبقى بعيداً عن التنافس ويعكس وجود تنسيقا مستمراً

      بين الفريقين واعترافاً متبادلاً بحق كليهما في التواجد على الأرض السورية ،

      وبالتالي  أحتراماً متبادلاً من كل فريق لمصالح الفريق الآخر من وراء ذلك 

      التواجد . 

 ثانياً : هنالك جيوش رسمية أجنبية روسية و أمريكية وتركية تعمل الآن في

       سوريا بشكل رئيسي ومباشر بالإضافة الى قوات شبه عسكرية لكل من ايران

        وحزب الله ، وقوات شكلية من  أوروبا .  

 ثالثاً : لقد أصبحت سوريا  عبارة عن مناطق نفوذ مدعومة بقوات عسكرية تابعة لكل

        من روسيا و أمريكا وتركيا . وهكذا فإن الأراضي السورية أصبحت عبارة عن

         مناطق نفوذ خاضعة لدول أجنبية ولكن ضمن مُسمى الدولة السورية التي

         تحولت عملياً من دولة مركزية إلى دولة هلامية ذات ولاية مطاطية لاتشمل

         سيادتها مجمل الأراضي السورية ، علما ً أن الوضع النهائي ما زال قيد التشكيل .

        ولكن تبقى الحقيقة أنه عندما تتحول أي دولة مركزية الى أي صفة أخرى ، فإن

        ذلك يعني عملياً التقسيم حتى لو لم يتم إعلان ذلك رسمياً .

  رابعاً : القوات الروسية لن تنسحب من سوريا في المدى المنظور ، و أمريكا أعلنت  

         مؤخراً أن عملياتها العسكرية في سوريا بعيدة جداً عن الانتهاء ، و وجود   

         القوات التركية في سوريا مرتبط بالمصير النهائي لشمال سوريا و بالتحديد  

          المناطق  الكردية وكذلك مصير أكثر من مليوني لاجئ سوري في تركيا .

          وهذا  يعني أن بقاء مجموع تلك القوات على الأراضي السورية في المدى

           المنظور هو أمر شبه مؤكد .

 خامساً : تحاول روسيا فرض رؤيتها على ما يتوجب أن تكون عليه الخارطة الداخلية 

           لسوريا و العلاقات بين أبناء الشعب السوري واللذين تصفهم روسيا "بالشعوب

         السورية" مع تجاهل واضح لعروبة سوريا ، ناهيك عن محاولاتها المستمرة 

             لصياغة دستور جديد ينسجم مع الرؤيا الروسية ومصالحها . أما أمريكا فهي

            أكثر اهتماماً بالتبعات الاقليمية للحل النهائي للصراع في سوريا بما في ذلك

           مستقبل " حزب الله " والدور الايراني في مستقبل سوريا والمنطقة .

        أساس الموقف الروسي هو رغبة روسيا في البقاء في سوريا لأمد طويل جداً

           وبالتالي أهمية تفصيل الوضع الداخلي في سوريا على مقاس الأهداف الروسية ،

        في حين أن أساس الموقف الأمريكي هو مصالح أمريكا الاقليمية والتي تُعتَبر 

          سوريا جزأً منها وليس اللاعب الوحيد فيها .  

 سادساً:  مستقبل الوجود العسكري الايراني في سوريا وكذلك حزب الله مؤقت ولن

              يُسمح لهما بلعب دور في تحديد المستقبل النهائي لسوريا وذلك باتفاق  

                روسي – أمريكي صامت .

 سابعاًً: ان كيفية حسم الصراع في سوريا وطبيعة الحل النهائي سوف تراعي بالنتيجة  

        المصالح الاسرائيلية خصوصاً و أن روسيا و أمريكا تتمتعان بعلاقات استثنائية  

       مع اسرائيل تحت إدارة  نتنياهو .

 ثامناً: بغض النظر عن الأدوار السيئة و السلبية التي لعبتها بعض الدول العربية 

        في بداية الصراع ، فإن أي دور عربي في سوريا قد أصبح الآن هامشياً  جدا ً  

       وغير موجود وغير مؤثر كونه استنفذ أغراضه في  إعطاء الأخرين  العذر

       والفرصة للتدخل العسكري المباشر في سوريا و تدويل الصراع الداخلي فيها .   

        هذه هي المؤشرات الرئيسية حتى الآن وهي حقائق و وقائع  يجب الإنتباه إليها بغض النظر عن أي رأي أو موقفٍ سياسي . وفي كل الأحوال ، من الضروري الانتباه إلى أن بقاء النظام السوري لا يعني انتصار سوريا . إن وحدة الأراضي السورية والشعب السوري وإستقلال إرادته هي النصر الحقيقي  المنشود و المطلوب بغض النظر عن بقاء النظام من عَدَمِه .

كاريكاتير

أغوار TV

 

الحياة في صور

أغوارنيوز | صوت الناس