آقلام وآراء (194)


ها هي الولايات المُتّحدة الأمريكيّة والسّلطات الصّهيونيّة في فلسطين المُحتلّة قد نجحت في تغيير طبيعة الصّراع التّاريخيّ مع عدوٍّ اغتصب 90% من أرض فلسطين التّاريخيّة وشرّد الملايين من شعبها، ولا يزال يُمعن في التّوسُّع الصّهيونيّ للمُستوطنات في أرض أهل فلسطين يوميّاً

وينكر على المُشرّدين الفلسطينيّين حقّ العودة إلى وطنهم ومساكن أجدادهم.. تغييره من صراع ضدّ عدوٍّ استعماريّ استيطانيّ إلى ضرورة دوليّة للاعتراف بسلطته في فلسطين وللتّطبيع التامّ الظّالم معه ومع مُؤسّساته

ولكلّ ساقطٍ في العهر الأخلاقيّ والقيميّ، والذي يحرص في البداية على كتمان عار ذلك السقوط إلى أن تفضحه عيون التجسس وألسنة الشماتة وفقدان الحساسية تجاه الخجل والشعور بالذنب وتأنيب الضمير

فإن الأنظمة والجهات والمؤسسات والأفراد الذين كانوا يبنون جسور التطبيع في البداية خفية وتحت جنح الظلام قد أصبحوا الآن يقومون بذلك بصورة علنية وبمفاخرة وبلا أي نوع من تقديم الأسباب الموجبة أو الظروف القاهرة الاضطرارية

أصبح التنكر للروابط العروبية القومية، والإسلامية والأخوة الإنسانية، والإعلان عن ذلك جهاراً ودون خوف من أهل أو عشيرة أو شعب أو مجتمع أو دين أو التزامات أخلاقية، هو العرف السائد

وأصبح كل من يريد أن تستضيفه وسائل الإعلام لإشباع نرجسيته وغروره أو لتبرير تاريخه الاستخباراتي والتجسسي لهذه الجهة أو تلك على استعداد أن يبيع نفسه في سوق النخاسة الأمريكي أو الصهيوني أو العربي أو كل سوق نخاسة يدفع

إذا كانت كلمات العتاب أو النقد أو الاستنكار تلك قاسية فلأن المصاب مأساوي وكارثي
فلقد أصبح تذكير تلك الأصوات النشاز في أرض العرب بالتزامات الأخوة العربية أو الإسلامية أو الإنسانية وبإملاءات القيم الأخلاقية تجاه الملايين من الإخوة العرب الفلسطينيين والمشردين في كل أصقاع الأرض، الممنوعين من الرجوع إلى ديار آبائهم وجدودهم المسجونين لعقود بلا محاكمات، المنهكين وهم وقوف أمام حواجز الأمن الصهيونية الحقيرة، أصبح التذكير لا يفيد ولا يتخطى سمعهم وأبصارهم إلى ضمير هو نفسه قد أصبح متعفناً ملوثاً بنزوات شيطانية أنانية سادية شريرة.

ما عاد تذكير هؤلاء ولا التوجه إلى المؤسسات القومية المشتركة، كالجامعة العربية ومنظمة التضامن الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي وما بقي من الاتحاد المغاربي، ولا طرح الأسئلة على وزراء الخارجية العرب أو المسلمين أو حتى على مؤسسة القمة العربية مع الأسف الشديد، ما عاد كل ذلك يؤدّي إلى نتيجة في وطن عربي فقد البوصلة القومية المشتركة وأصبح كل جزء منه يمارس الاستقلال السيادي التام عن بقية الأجزاء.

ليس أمامنا هنا إلا التوجّه إلى مجتمعاتنا العربية، حيث المؤسّسات المدنية التي تدافع عن الشرف والكرامة والالتزامات القوميّة والوطنيّة والإسلامية، وحيث المواطن العربي العادي الذي لم يتلوث بالانتهازية السياسية، بل يؤمن بعروبته وأخوته مع شعب فلسطين المشرّد المعذب المنهك، نتوجّه إلى مجتمعاتنا لتقوم بدورها المطلوب في تصحيح مسار هذا النكوص القومي المفجع وفي مساءلة مجانين التطبيع الذين يفاخر المجرم نتنياهو العالم يومياً بأنهم قد جعلوا الكذبة الصهيونية في أرض العرب تبدو وكأنها حقيقة.

ما يجب أن ننتهي به هو التوجه إلى الإخوة الفلسطينيين والمؤسسات الفلسطينية لنسألهم: هل يستطيعون أن يلعبوا الدور المطلوب منهم في مساعدة تصحيح ذلك المسار والتوقف عن ارتكاب الأخطاء والخطايا التي يستعملها المنادون بالتطبيع كحجة ومبرر؟

الراية

(كاتب ومفكر بحريني)*

 تكاد "الغد" أن تكون الصحيفة الوحيدة التي أتابع قسماً منها، متمنياً دائماً أن تزداد تقدما عن غيرها أو بعبارة أصح تقل تراجعاً عن غيرها. فصحافة الثمانينيات وعلى رأسها كانت "الرأي" متقدمة بدرجات على صحافة اليوم. أما صحافة الخمسينيات فقد كانت من كوكب آخر، فلا يحلم صحفيو اليوم أن يتنسموا "طرطوشة" من الحرية الكبيرة التي كانت تتمتع بها. ولو عرضت عليكم، مثلاً، مانشيتات الصفحة الأولى من الصحف اليومية في قضية عدل عليا فرحان الشبيلات ضد رئيس الحكومة لذهلتم معشر الجيل الذي ولد بعد تلك الأيام. كانت المانشيتات منحازة بقوة إلى أمين العاصمة المعزول في وجه توفيق أبو الهدى (رئيس الوزراء الأسبق)، ويا ليت جيل اليوم يعلم من هو رجل الدولة توفيق أبو الهدى ذاك "أبو الندهتين".. يا حسرة على أردن منضبط نظامه حرة أقلامه حتى مع وجود معتقلات شرسة مثل الجفر في ذلك الوقت. أسوق هذه المقدمة ولست أدري إن كان ما سأكتب سيحظى بالنشر بعد أن عودتنا الصحافة الأردنية في العقدين الأخيرين تجاهل آراء أمثالنا مع إبقاء المودة الشخصية على قاعدة "الله يسعده ويبعده"، وذلك بين يدي قراءتي لمقال الأخ الدكتور محمد أبو رمان، الذي استشهد بذكري في مقاله قبل أيام في أمر شديد الخطورة كنت طوال السنوات الماضية أحذر منه، ولكن مثل "الذي يؤذن في حارة اليهود" فيتهم المؤذن بعد ذلك بأنه قليل دين. وإليكم فقرة من مقاله: "كنتُ أقرأ قبل أيام رسالة غاضبة من أحد المواطنين إلى المسؤولين في البلاد، وهي رسالة منطقية، يمكن أن نفهم من خلالها خطاب معارضة، مثلما كانت الحال تاريخياً مع شخصية مثل ليث شبيلات، لكن لغة الرسالة مختلفة، بل مرعبة، تفضح حجم الشكّ أو الغموض المتنامي لدى شريحة اجتماعية واسعة، فهي تخلط بين الأبعاد الاجتماعية بالاقتصادية بالسياسية، بالأزمة المركّبة بين العاصمة والمحافظات، باللغة العنصرية، باتهامات خطيرة مخجلة!". منذ انتخابات مجلس نواب 1989 الذي يتحسرون عليه والذي شاركت فيه وأعلنت بعد شهر واحد من انتخابي فيه، وكما هو موثق في محاضر كانون الثاني (يناير) 1990، بأنني سأنسحب من جميع العملية السياسية إذا بقي أمر المعارضة بمثل المستوى الهزيل الذي ذهلت باكتشافه بمثل ذلك الوقت المبكر (وقد اعتزلت العملية فعلاً العام 1993). كانت البلاد خارجة من هبة معان والجنوب في نيسان (ابريل) 1989، وقد وعد الشعب بأن الديمقراطية هي الحل، فإذا بالذين جاءوا كممثلين عن غضبة الشارع ينحازون لمصالحهم، وقد سال لعابهم شهوة للوزارات. ذلك المجلس الممدوح من الناس ولكنه مذموم مني قد قونن الحالة العرفية في قوانينا الدائمة. فقانونا الاجتماعات العامة والأحزاب في عهد كلوب باشا مثلاً كانا متقدمين على ما "أنجزناه". وقد وقفت خطيباً في المجلس مناشداً الزملاء: ليس هذا وقت بحث هذه القوانين، تعالوا نتفق على برنامج النقطة الواحدة: نقطة إعادة الحريات السياسية في البلاد ولجم المتغولين على الحرية. فأي أحزاب ستتشكل في أجواء الهيمنة على الحياة السياسية الاجتماعية؟ فلم يستجب أحد وبقينا نخدم مخططات المشتكى منهم ونحن نزعم بأننا إنما نخدم الشعب. نحن إما كنا أطفالاً في السياسة، أو جبناء متواطئين مع الذين سببوا هبة نيسان!. ومنذ ذلك اليوم أعلنت، بالإضافة إلى معارضتي للحكومات، معارضتي للمعارضة: معارضة "اللعم". وهنا أصل إلى شاهد الحديث فيما يخص ما جاء في مقالة الأخ محمد. منذ ذلك الوقت وأنا أتهم نظامنا والأنظمة العربية ومعارضتنا والمعارضات العربية غير الجادة بأنها ستتسبب في غليان الشارع الذي لن يكون له متنفس سوى الانفجار الفوضوي والتجاء شبابنا وشاباتنا غير المقتنعين بهزالة نضالاتنا السلمية إلى التطرف وإلى السلاح. في 2 تموز (يوليو) العام 2006 ألقيت محاضرة في مكتبة الأسد في دمشق انصبت على قلقي من هذه الحالة، وكأنني أستشرف ما سيحدث العام 2011 وعنوانها يدل عليها: "لمن الكلمة غداً للأنظمة؟ أم للمعارضات السلمية؟ أم للمعارضات المسلحة؟". حذرت النظام السوري - الذي ألقيت المحاضرة في عاصمته - وباقي الأنظمة العربية كافة من البطش بالرأي الآخر وقمعه، وكذلك من تهاون قيادات المعارضة في بذل التضحيات الشخصية الكافية لإعطاء الشرعية الشعبية الكافية لسلمية شعاراتهم، إذ يرى الناس أن زعماءهم يضحون بين أيدي مطالبهم ولا ينتظرون حراك الجماهير ليأتوا راكبين عليه لن تكون نتيجته سوى دفع الجماهير إلى التطرف. نعم يا أخ محمد! والكلام للجميع! كلنا مسؤولون عن التعبيرات المرعبة التي يعبر الناس عن غضبهم بها، حكومات ومعارضي "النصف كم" والوجهاء والنواب الذين يدعون الدفاع عن المواطنين وهم يكذبون، إذ لا يدافعون قبل حصول أي تذمر جماهيري، وحتى بعد حصوله وبعد أن يركبوا مده، سوى عن الذين قام الجمهور ضدهم. هذا سبب في أننا أصبحنا من الذين "لا يعجبهم العجب ولا حتى الصيام في رجب". انظر إلى حال جبننا السياسي الاجتماعي. من منا يجرؤ أن يسأل من هم طباخو "مطبخ القرار" الذين تتحدث عنهم المقالات؟ هل هناك في نظامنا الدستوري مؤسسة غير معلن عن أسماء أعضائها اسمها "مطبخ قرار"؟ لقد غضب (رئيس الوزراء الأسبق علي) أبو الراغب مني عندما تساءلت لـ"النيويورك تايمز": "ما الفرق بين التي تبيع ما لا يباع وبين الوزير الذي يوقع أمراً لم يصدر عنه؟". وها قد دخلنا في العام السابع من أحداث الثورة السورية وكلنا يسمع همساً عن شيء اسمه "الموك"، وبدأ البعض الآن يذكره، ويقولون "الموك" يريد كذا و"الموك" لا يريد كذا! أليس من حق الشعب أن يعرف من هو "الموك" وممن يتشكل وبأي شرعية دستورية يمارس نشاطه في الأردن؟ هل بقرار حكومي معزز بموافقة مجلس النواب؟ بل هل يعرف الوزراء شيئاً عن "الموك"؟ و"ليقبرني" سياسيو البلد من موالاة ومعارضة ونواب لا يتجرأون على السؤال عن شبح موجود اسمه "موك"؟. ثم بعد هذا الهزال السياسي المخزي يتأملون أن يبقى عند شبابنا بعض ثقة بالحكومات وبالمعارضات الديكورية وبالعملية السياسية برمتها، إن كنا نستطيع تجاوزا أن نسميها عملية سياسية. ما صحة أن "الموك" غرفة عمليات عسكرية مركزها الأردن مهمتها إدارة ودعم وتسليح التنظيمات المسلحة في جنوب سورية وتحديد أهدافها؟ وانها تتشكل كما يهمسون في آذاننا في ظل الغياب المعيب للتصريحات الرسمية، من الأردن ودول خليجية ومن أميركا ودول من حلف النيتو، ويهمسون بصوت منخفض أكثر أن إسرائيل غير بعيدة عن "الموك" كما تتداول الصالونات في غفلة من الناطق الرسمي. نحتاج تصحيحا رسمياً لهذه المعلومة التي لا يتجرأ سياسيونا العتاولة على السؤال عنها أو تصريحاً رسمياً يؤكدها. ونتحدى إن كان الوزراء وعلى رأسهم رئيسهم يعرف عن "الموك" وعن الاتفاقيات التي تحكمها بما في ذلك الحصانات من الملاحقة القضائية إن وجدت. تلكم فقط بعض الأمثال عن المعارضة السلمية الدستورية، التي ذكرها الأخ محمد كنموذج لم يكن أبداً موضع ترحيب بل عرضة للاتهام مع أن ألفاظها موضوعية غير غوغائية، وهي مصرة على التمسك بالنظام لا خوفا من أحد بل تجنباً لأذى أي طريق آخر سوى طريق الإصلاح التدرجي. ومع ذلك كله فهي غير مرحب بها حتى يومنا هذا، ولا يفتح لها أي مجال أمام الإعلام المحلي، ثم بعد ذلك يتساءلون عن اللغة المرعبة التي تصدر عن غوغاء نحن جميعاً تسببنا في وجودهم. هذا "الإسلامي المتطرف الذي يعمل ضد النظام خدمة لأجندات أجنبية" كما يزعمون قد حاز على ثقة اليساريين وعلى ثقة غالبية المسيحيين حتى يومنا هذا، وحتى على ثقة الغالبية الساحقة من المسؤولين السابقين، ولم يتفوه يوما بأي مطلب تستطيع أن تصنفه بأنه مطلب ديني، ولذلك فهو يتفاهم ويتناغم في معظم المواقف النضالية، مثلاً، مع يساريين ومع مناضلة ليبرالية شجاعة صلبة مثل توجان فيصل، رغم اختلافهما الأيديولوجي واختلاف برنامجهما الاجتماعي، لأن مرحلة إنقاذ الوطن من الفوضى الدستورية ومن الفساد ومن الطغيان لا يختلف حولها صادقان مهما كانت خلفيتهما الأيديولوجية، ولا يضخم فيها الخلاف الإيديولوجي إلا جبان يخبئ جبنه وراء أيديولوجيته متحججا بعدم قدرة تياره على الحراك لوحده. التجارب الثورية اليسارية في أميركا اللاتينية، قامت على نشوء تيار واسع بلاهوت مميز في الكنيسة الكاثوليكية في اميركا اللاتينية، ينحاز بقوة إلى الفقراء في مواجهة لصوص الرأسمالية المتوحشة بدلاً من حياد الكنيسة في البلاد الأخرى. الدراسة غير الموضوعية والسطحية تعزو فشل التجارب المختلفة، إن كانت قومية أو يسارية أو إسلامية، إلى ذات الأيديولوجية، وليس إلى الذين لم يترجموا تلك الأيديولوجية إلى برامج ناجحة أو خانوا، ككثير منهم، الأمانة فجذبهم العدو الرأسمالي إلى صف المنتفعين بماله. اليسار لم يفشل في أميركا اللاتينية، لكن اليساريين هم الذين لم ينجحوا لأسباب ذاتية بسبب خلافاتهم أو فساد بعضهم، وسيبقى اليسار بمطالبه الاجتماعية العادلة حلماً للجماهير اللاتينية. وكذلك فإن الإسلام لم يفشل في ما سمّاه الغرب لنا ربيعا، فكان ربيعاً له وخريفاً لنا، بل فشل الإسلاميون. النماذج الإسلامية التي أخرجت بعنفها وقهرها وإقصائيتها الحل الديني من قلوب الناس كأمل. وحاشا للإسلام أن يفشل، ولكنه ابتلي في أيامنا هذه من داخله بجهالة وسذاجة يعادل أذاها أذى العدوان الخارجي عليها. إن قراءة التجارب اللاتينية بالطريقة النقدية الموضوعية أمر مهم يجب أن يستفيد منه كل طالب إصلاح يساريا كان أم إسلامياً أم قوميا، ولا ينظر بعين الشماتة إلى فشل تجربة من يحملون أيديولوجية مخالفة مطمئناً كسله وكسل دماغه وغياب موضوعيته بأن الأيديولوجية المخالفة إنما هي التي فشلت ولو كانت أيديولوجيته لما فشلت

الغد

لم يبق في يد تنظيم داعش، الذي شغل الدنيا، في الأعوام الثلاثة الأخيرة، سوى بعض المناطق في دير الزور والرقة، والبوكمال وبعض الجيوب، وهو محاصر من جميع الجهات، وتتسابق القوى الدولية والإقليمية على الاستيلاء على تركته، التي وصلت في مرحلة من المراحل إلى ما يزيد على نصف أراضي سوريا و40 % من أراضي العراق.

هل يعني ذلك أنّ التنظيم، الذي أقام دولة كسابقة في تاريخ الحركات المعاصرة، وكسر الحدود الجغرافية بين الدول، ورفع شعار "باقية وتتمدد"، هو في طور الانهيار والانتهاء تماما بعدما فشل مشروعه – الدولة-؟

في مقالته أمس (في جريدة الحياة اللندنية) كتب الزميل والصديق حازم الأمين متوقعا أنّ "داعشَ" جديدا سيولد ليملأ الفراغ الناجم عن حالة الضعف الاستراتيجية لـ"السنّة المشارقة"، بخاصة في العراق وسوريا، مع تنامي النفوذ الإيراني وصعود الحلم الكردي، والصبغة الطائفية للمليشيات التابعة لإيران والأنظمة العراقية والسورية.

ما وصل إليه الأمين هو الشرط نفسه الذي ذكرناه في كتابنا (المشترك مع الصديق حسن أبو هنية) عن تنظيم داعش، إذ وضعنا عنوانا فرعيا ربطنا فيه الصعود الداعشي بالأزمة السنية غير المسبوقة، على الأقل في العصور الحديثة، وما يتولّد عنها من أزمة هويّاتية كبيرة، وتخلق ردود فعل ستستمر حتى بعد الانتهاء من "دولة داعش".

التنظيم أتقن العزف على سيمفونية الأزمة السنية ووظّفها بصورة كبيرة، في الأعوام الماضية، وتمكّن من خلالها من تجنيد أعداد كبيرة من الشباب العربي والمسلم، وعمّق بمواقفه وخطابه الصدع الطائفي المرعب في المنطقة، فيما مثّلت السياسات الإيرانية الوجه الآخر لهذا الصدع.

بمعنى؛ الحل العسكري لا يكفي وحده، بل ربما يؤدي إلى أضرار أكبر، وإذا لم تكن هناك "تسويات تاريخية" وأنظمة أكثر عدالة وتعددية، تخرج من العباءة الطائفية، وتنهي المظلوميات، وهو أمر ليس قيد التحقق فيما نراه اليوم من سياسات دولية وإقليمية، فإنّ التنظيم سيخرج من جديد، بصورة جديدة وأكثر شراسة

لكن طالما أنّنا وصلنا إلى أنظمة أكثر عدالة وتعددية وانفتاحا، فإنّنا نقترب أكثر من سبب آخر جوهري، بل وأكثر أهمية من مفهوم الأزمة السنية نفسها، وهو افتقاد جيل الشباب العربي لهذه الأنظمة، بل وازدياد سياسات التضييق والتهميش والاعتقال في كثير من الدول العربية، والإمعان في إغلاق أي أفق سياسي سلمي في التغيير، فمثل هذه السياسات هي التي ولّدت شرارة الربيع العربي 2011، وهي التي قد تولّد احتجاجات جديدة لكنّها قد تكون هذه المرة ذات طابع أصولي وعنيف!

بالأمس ثبّتت محكمة مصرية الحكم على محمد مرسي، الرئيس المصري السابق، بعقوبة 25 عاما، بدعوى التخابر مع قطر، وهي تهمة مضحكة فعلا، لكنّ دولا عربية تأخذها بصورة جديّة، بل لم يتردد أمس أحد "الكتّاب"، في صحيفة عربية، في تبرير اعتقال قيادات إسلامية سلمية، والزجّ بهم في السجون، بوصفهم – وفقا لهذا الكاتب- "خلية قطرية"، وهم معروفون بعدائهم لداعش والقاعدة

الغد

مثل هذه الروح المكارثية، المتزاوجة مع الانقسامات والخلافات العربية، وضرب حتى الأصوات المعارضة السلمية، مع استمرار الأزمات الاقتصادية ودعاوى الفساد، ومعدلات بطالة مرتفعة في كثير من دول عربية، تمثل جميعا وصفة نموذجية لمرحلة قادمة أكثر خطورة مما مضى، وتنذر ليس بثورات شعبية تحررية سلمية تقودها الطبقة الوسطى، بل بجيل من الغاضبين المحبطين، الذين فقدوا الأمل بالسلمية وبالمدنية والديمقراطية!

ثمة من يسأل اليوم: لقد تديّنا منذ قرون، ولم نعدم وجود الاتقياء بيننا والمصلحين الصالحين، كما لم تعدم مجتمعنا سمة “الايمان” ووازع الخشية والخوف من الله تعالى، فلماذا لم تتحضر امتنا وبقيت - دون سواها من الامم - في آخر “القائمة” الحضارية.. لماذا ظلت “ضعيفة” مهزومة.. وعالة على غيرها رغم ان “ديننا” هو الباعث على التقدم والنهضة والحضارة.. هل المشكلة في “تديننا” أم في فهمنا للحضارة ام في توظيفنا للدين في اتجاهات لا علاقة للدين بها.. بقدر علاقتنا نحن البشر بترتيبها ومعرفة ما نحن ادرى به من غيرنا في شؤون الدنيا وقضاياها المتجددة؟.
 وثمة من يسأل ايضا: الان وصلت بعض الحركات الاسلامية الى السلطة، و”تأسلم” الحكم، فهل ستتغير احوالنا، ام ان “وصفة” التدين هذه التي نتابع بعض تطبيقاتها في المجال السياسي على الاقل عاجزة عن تغيير احوالنا؟
يبدو ان سؤال “التدين” ما زال ملتبسا، فهل من مصلحتنا مثلا ان نقحم “الدين” في المشهد السياسي رغم اننا لم نمتلك بعد “ارادتنا” الحرّة، ولم نحسم خيارات الديمقراطية الحقيقية التي تناسب مجتمعاتنا، ولنفترض مثلا ان هذا التدين السياسي عجز او فشل في تقديم ما كنا نعرفه من “نماذج” نظرية للدولة المدنية او “للحل الاسلامي” لكل مشكلات الناس او للعلاقة مع الاخر، ايا كان هذا الاخر، او لم يحقق “مشروع” النهضة او حتى الدولة والمواطنة.. ترى من يتحمل عندئذ مسؤولية ذلك.. وهل سيحكم الناس على “الاسلاميين” فقط وتجربتهم او على الدين ايضا.
لقد نجح “السياسي” في جرّ “الديني” الى معمعة “الصراع”، وأقحمه في “لعبة” الصدام، ووظفه لتمرير “أجنداته” وتسويغ مقراراته، وبدل ان يكون “عالم الدين” ممثلاً للامة وناطقاً باسم “ضميرها العام” أصبح “ناطقاً” باسم السلطة او باسم المعارضة، وعندئذ وقع “العامة” من الناس في دائرة “الحيرة”، فمن يصدقون، وبمن يثقون، ما دام أن كل واحد من العلماء يقدم حجته باسم الدين، ويفتي بالنيابة عن الله تعالى، ويا ليت ان الاختلاف بينهم على مسألة “فقهية” يكون فيها الاختلاف رحمة ويسراً للناس، ولكنه – للاسف – اختلاف على “الاولويات” الكبرى والنوازل التي تتعلق بمصير الامة، وحياة الناس، ومكانة الدين ودوره ايضاً.
كان يمكن “للديني” أن يحافظ على “استقلاليته” وأن يمارس دور الداعية لا دور القاضي، ودور “الجامع” لا دور” المنحاز”، فالسياسة تحتمل الخطأ والصواب، فيما الدين علاقة بين الناس وخالقهم لا يحق لاحدٍ اختراقها او الحكم عليها، لكن ما حدث قلبَ هذه الثوابت والمفاهيم، ووضع “الدين في مواجهة السياسة” والعكس ايضاً، ومع انه لا يخطر في بالنا الدعوة الى الفصل بين الطرفين، الا ان الدمج بينهما يحتاج الى “قواعد” ومعادلات واضحة، والى فهم حقيقي لمقاصد الدين والتزام بها، وفهم والتزام ايضاً بأولويات السياسة وضروراتها، وهذا للأسف ما نفتقده في كثير من تجاربنا، لا سيما المعاصرة منها.
 صحيح، الاسلام دين ودولة، والسياسة جزء اصيل فيه، وقيمه ومفاهيمه التي تدعو للعدل والحرية والحكم النظيف والسماحة.. تصلح لكل زمان ومكان.. لكن السؤال هل وصلت حالة “التدين” الى فهم حقيقة هذا الدين وممارسته على الارض.. وهل اقحامها في السياسة وهي كما هي مفيدة لنا.. او تليق بديننا الحنيف؟

الدستور

 

 عُلّمنا أن المجتمعات الريعية لا تدوم، وذلك لأن تكاليفها ترتفع وعوائدها تتراجع، ما يدفع المسؤولين إلى إعادة النظر فيها. والفرضيات التي تبنى عليها المجتمعات الريعية تتصل اتصالاً مباشراً بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
واول هذه الفرضيات ان المسؤولين يقومون بدور الوصي والاب الراعي لكل أبناء وطنهم، ويكفلون لهم الحد المعقول من مستوى المعيشة. فيكون الحاكم هو «الكساب الوهاب»، وأما أفراد الشعب، فهم يرضون بالحكم المطلق، ويطيعون الأمر، ويتقيدون بذلك.
والفرضية الثانية أن الخزينة تُرفَدُ من مصادر محددة تمثل في الغالب موارد طبيعية لم يشق احد أو يتعب في إنتاجها، مثل النفط في دول النفط، أو الفوسفات أو الذهب، أو الانتاج الزراعي المكثف كالقطن، أو التبغ، أو الفواكه. وتوضع حصيلة الأموال في الخزينة العامة، وتكون تحت إمرة صاحب الأمر، يوزع منها نفقات متكررة، ويعطي منها هبات لمن يشاء، ويقرب بها من يشاء، ويقصي من لا يشاء.
والفرضية الثالثة أن الرقابة على المال تكاد تكون غائبة، وإن وجدت فهي غير فعالة.
وتستمر هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على حالها ما دامت الموارد كافية، وعدد السكان معقولاً، وتبقي فوائض لدى صاحب الأمر تغطي النفقات.
ولكن التاريخ والمؤرخين علمونا دروساً كثيرة، وأعطونا نصائح حول هذا الموضوع.
المؤرخ ابن خلدون في مقدمته حذر من تدني الانتاج في المجتمعات الريعية، وأنها في نهاية المطاف مقدمة للانهيار الحضاري، وذلك لأن الريعية مرتبطة في ذهن ابن خلدون بالمجتمعات البدائية.
أما المؤرخ البريطاني «ادوارد جيبون»، فقد أوضح هذا الأمر بشكل جلي في كتابه الشهير الموضوع بعد مقدمة ابن خلدون بأكثر من أربعة قرون. يقول جيبون في كتابه «تاريخ انهيار وسقوط الامبراطورية الرومانية» المنشور عام/1793 ان من أهم مؤشرات قرب انهيار الأمم هو اعتماد عدد كبير من الناس على الحكومة في معاشهم. وهو يربط هذه الظاهرة بتفاوت الثروات والدخل بين الأغنياء والفقراء.
أما الإمام حسن بن الفضل الذي أوصل الإسلام إلى جزر المالديف (أو «ديبا محل» كما كانت تسمى قديماً)، فقد حذر سلطان الجزر آنذاك من إهمال العدل بين الناس ودفع الظلم عنهم، وتوجيهه الاهتمام نحو من حوله من بطانة تدّعي حمايته. ويقول إن هؤلاء المنتفعين لا ينصرون السلطان من غضب الرعية إن احتاج الرعية ولم يجد عندها ما تعطيه إياه.
ويثير كتاب لوالدي المرحوم أحمد العناني نشرته إحدى أكبر دور النشر في بريطانيا (لونج مانز) بعنوان « التاريخ المبكر لدول الخليج» ،  السؤال الكبير «لماذا كان عرب شرق الجزيرة العربية آخر من أسلم، وأول من ارتد، وأحسن من أبلى في القتال. وأكثر من تشدد في الدين؟». وفي رأيه أن الردة كانت بسبب دخولهم في الإسلام لا إيماناً في البداية، ولكن لأن محمداً بن عبدالله، النبي الأمين، كان شيخاً كساباً وهاباً، ولما طالبهم اول خليفة ابو بكر الصديق بالزكاة ارتدوا محتجين.
كل هذه الأدبيات، وآلاف غيرها، تؤكد مثلاً أن انهيار الدولة العباسية كان بسبب فساد العلاقة المالية بين الحاكم والمحكوم سواء في بغداد، أو في أطراف الدولة ابان العصر العباسي الثاني. وكذلك حصل مع الدولة العثمانية حين تحولت إلى الجباية، وكرّهت من كانوا تحت سلطانها من الضرائب التي لا يعود منها على دافعيها أي خير.
والوطن العربي يواجه الآن المهمة الصعبة، هي تحويل الوطن العربي، دولة دولة، أو قطراً قطراً، من حالة الريعية إلى ديمومة مجتمعات الانتاج والتنافس، القائم على العلم والمعرفة.
ولقد شاهدنا بداية هذه المحاولات في دول نامية، ومن أبرزها حديثاً تركيا التي عانت في العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي من الإفلاس، وسفك الدماء، وحالة التمرد. ولكن بفضل جهود المخلصين فيها، وصدقيتهم مع الناس، تمكنوا من الانتقال خلال عقدين إلى مجتمع منتج.
ورأينا الحكاية نفسها تتكرر في دولة ماليزيا. وقد أتيحت لي فرصة اللقاء برئيس وزرائها د. مهاذير محمد عام 1986، حين كانت اسعار النفط والمواد الخام والمنتجات الزراعية تتراجع في العالم، وقال لي لقد اضاع العرب علينا جميعاً فرصة انصاف أنفسنا من الاحتكار والمنافسة الضارة التي فرضتها علينا دول العالم الغنية حين فرطنا بفرصة ارتفاع اسعار النفط ومشتقات الطاقة. ولكن بالرغم من تلك الانكفاءة، تمكن بمساعدة مواطنيه من تحويل ماليزيا إلى مجتمع انتاج منافس.
وقد حذر كثير من الاقتصاديين دول الخليج من عدم القدرة على الاستمرار في السياسة الريعية، ونبهوهم إلى خطر ما يسمى في علم الاقتصاد «بالمرض الهولندي». وهذا المرض يشير إلى الاقتصاد الهولندي الذي تحول من مجتمع منتج إلى مجتمع شبه ريعي حين اكتشف الغاز الطبيعي فيه. وترك الناس الزراعة والانتاج الصناعي إلى القطاع الغني ليعملوا فيه، أو ليؤمنوا للعاملين فيه سلع الرفاهية وخدماتها، ولذلك تحولت هولندا من دولةٍ يتوزع العاملون فيها على مختلف القطاعات إلى دولة شهدت تركزهم في قطاع الطاقة وما يرتبط به، ولذلك واجهت الدولة صعوبات كثيرة حين بدأ الغاز بالنضوب، وتحولت تدريجياً إلى الصناعة والزراعة وخدمات الشحن وغيرها بهدف تنويع الاقتصاد، وتعزيز الانتاج، وتنافسيته، ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً.
هل تستطيع الدول العربية التحول نحو ذلك؟ من الواضح ان الدول التي ادركت ضرورة تعزيز موارد الخزينة من المواطنين بدلاً من الاعتماد على دخل قطاع واحد أو قطاعين في السير باجراءات التنويع الاقتصادي، ولكنها لم تفلح في تغيير الثقافة نحو الانتاج. فاعتمد كثير منها على فائض العمالة في الدول الأفقر.
ولما واجهت مشكلات كثيرة، بدأت في جمع الضرائب وتقليل الدعم، ورفع تكاليف المعيشة، والسعي للتقليل من الاستهلاك المظهري وغير الضروري. ولما بدا ان الناس لم يقبلوا بهذه الاجراءات المؤلمة، بدأت الدول المطبقة لهذه البرامج في الاحساس بالضغط عليها، والتشكيك في شرعيتها، لأن الفرضيات التي قامت عليها بدأت تتغير.
ومن هنا، صار المسؤولون يبحثون عن وسائل لتخفيف الضغط عليهم بنقل عبء التحول وتكاليفه عن اكتاف مواطنيهم الى اكتاف العاملين المقيمين لديهم، والسعي لاستبدالهم، وهذا اسلوب اقل كلفة من الناحية السياسية، ولكنه اجراء مؤقت ولن يكفي، وسوف تضطر هذه الدول الى وضع عقود اجتماعية جديدة تعيد بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وقد ادركت بعض الدول العربية هذا الأمر، مثل الأردن، والمغرب، وتونس، والجزائر، وهي الأقل موارد من غيرها، ولديها قاعدة سكانية محلية، وقد كتب الملك عبدالله الثاني سبع اوراق نقاشية سعياً منه للمساهمة في هذا التحول المجتمعي بالتدريج.
ولكن متطلبات التحول تأخذ وقتاً اطول من الوقت المتاح للحكومات لكي توفر للناس فرص عمل كافية ودخولاً مناسبة تمكنهم من مواجهة الاعباء الجديدة. ولذلك يحصل التذمر وتزداد الشكوى، ومن هنا، تصبح إدارة هذه المرحلة الانتقالية من أصعب مراحل التحول المنشود.
إذا تمكن الوطن العربي بكل أقطاره من إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة، فهو في طريقه نحو النجاح. أما إن بقي مقسماً، مهزوزاً، فإن القوى الإقليمية والدولية لن تصبر حتى يستعيد أنفاسه، بل ستستغل فرصة انشغاله بخصوماته الصغيرة ذات الكلف البشرية الانسانية والاقتصادية المرتفعة حتى تبقيه على حاله من الضعف والفرقة. علينا أن نتذكر «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة

الدستور

لم تشهد أمتنا – حتى في جاهليتها – لحظة غاب فيها الضمير العام وتراجعت فيها المروءة والغيرة دفاعاً عن الكرامة والشرف، كما تشهد اليوم، فقبل عشرين عاماً من بداية الدعوة الاسلامية – مثلا – عقد كبار قريش فيما بينهم حلفاً (اسمه حلف الفضول) تعهدوا فيه ان يدافعوا عن كل مظلوم في مكة، وفي عصور الاستبداد وجدنا علماء حركهم الضمير العام دفاعا عن الدين أو الوطن، ووجدنا مثقفين دفعوا حرياتهم وحياتهم ثمناً لمقاومة الاستبداد والاستعمار، لكننا – اليوم – في عزّ “النكبات العربية” نفتقد مثل هذه الاصوات بعد ان داهمتنا فتنة الانقسام بين الديني والمدني، وفتنة “الاعلام” الذي احتل ساحاتنا كلها، وفتنة “الدويلات” المذهبية والحزبية التي تذكرنا بالدويلات التي نشأت بعد سقوط الدولة الاموية (23 دولة) وفتنة “العسكر” الذين اختطفوا “المشهد”، وكل هذه الفتن وغيرها اورثتنا “واقعاً” معقداً، أخطر ما فيه غياب العقل والضمير وتسيّد الخوف والجهل والانتقام.. وبروز “نجم” تجار السياسة والحروب وانطفاء نور “الحكمة” مع انزواء العقلاء والحكماء.. فلم يبق أمامنا الا ان نقول “لطفك يا الله..”!!
حين أدقق في المشهد العربي ، يستفزني سؤال واحد، وهو: من يمثل الضمر العام للمجتمع؟ والمسألة هنا لا تتعلق بمن أخطأ أو أصاب، أو بمن سقط ورحل وبمن نهض وانتصر، كما انها لا تتعلق باتجاهاتنا السياسية وأهوائنا ومصالحنا وتصوراتنا، وما يصدر عنا من أحكام أو مواقف في اطار الصراعات التي خلطت الأوراق واستبدت بأخلاقيات الخصومة وسمحت للفجور السياسي أن يقتحم علينا الأبواب، وانما تتعلق بقدرة المجتمع على “فرز” خياراته واختبار وعيّه، وتحديد تجاه “بوصلته”، وهي مهمة تحتاج الى “اصوات” عاقلة تعبر عن “الضمير” العام للناس، وتؤثر فيهم، وترشدهم الى “الصواب” وتنقلهم من حالة “الاتباع” الى حالة “الابداع” ومن الحيرة الى اليقين، ومن اليأس الى الأمل.
للأسف، وسط ما يشهده عالمنا العربي والاسلامي من صراعات على تخوم الدين والمذهب والطائفة، ووسط ما تروج له المنابر السياسية والاعلامية من كراهية ودعوات للاقصاء والقتل، لا نكاد نجد الا أصواتاً قليلة تحاول ان تدق من داخل “الخزان” لتذكيرنا بأننا أمة واحدة، وبأن المسلمين والمسيحيين اخوة وشركاء في بناء حضارتنا، وبأن السنة والشيعة ابناء ملة واحدة، وبأن مجتمعاتنا وان تعددت فيها الاطياف السياسية والدينية والعرقية الا انها تنتظم في اطار “هوية” جامعة، ولتذكيرنا – ايضا – بأن الظلم ( والاستبداد جزء منه ) يحطم الاوطان، ويلغي انسانية الانسان، وهو لا دين له ولا لغة ولا جنس، وبالتالي فان مواجهته فريضة على الجميع، والتواطؤ معه “رذيلة” وخطيئة، ويذكرنا – ثالثا – بخبراتنا التاريخية التي ضلت طريقها نحو “الارشيف”، أو وجدت من يوظفها اسوأ توظيف.
باستثناء قلة قليلة  لم يتورطوا في الانحياز “للغالب” القاهر، ولم ينخرطوا في لعبة الصراع على “السلطة” ولم يقايضوا مواقفهم باغراءات من هنا أو تهديدات من هناك، ظل “الضمير” العام للمجتمع في معظم بلداننا “يتيماً” لا يجد “أباً” ينتسب اليه أو يعبر عنه، وحائراً يتقلب بين سطوة “الاعلام” الذي استبد بوعي الناس وسيطر على قناعاتهم ومشاعرهم، وبين “ألاعيب” السياسي الذي اختزل المجتمع في “صورته” وحوّله الى صدى لطموحاته وأعاد تشكيله بما يتناسب مع مصالحه وأهدافه.
لو كان “الضمير” العام حاضراً وفاعلاً في مجتمعاتنا ودولنا هل كان يمكن أن نتفرج على  اليمن وهي تغرق في صراعاتها الداخلية، أو أن نتفرج على سوريا وهي “تموت” أمام أعيننا، أو على العراق.. وليبيا، وباقي بلداننا التي تحولت صراعاتها السياسية الى صراعات على “الهوية”، والى حروب أهلية طاحنة،  اين صوت الضمير العربي من تفتيت بلداننا وتحويلها الى دويلات طوائف ومذاهب، ومن “توظيف” الدين الواحد واخضاعه لأغراض ترسيم مناطق النفوذ والمصالح، على خرائط الدماء لا على طاولة التفاوض فقط

الدستور.

الجدل الدائر حول تعديل قانون ضريبة الدخل الحالي الذي تم إقراره في العام 2014 لم يتجاوز بعض التفاصيل التي تداولها الرأي العام حول القانون المقترح
الدول الحديثة لديها مئات من القوانين ولكن يوجد هناك قانونان يكتسبان أهمية بالغة بسبب ارتباطهما بطبيعة النظام السياسي، وهما: قانون الانتخاب وقانون الضريبة. قانون الانتخاب يهدف الى توزيع القوى السياسية في المجتمع، ويعمل على إنتاج النخبة، ويمنع تركز القوة بيد مجموعة أو فئة معينتين من خلال تداول الأحزاب السياسية للسلطة.
أما قانون الضريبة، فلا يقل أهمية عن قانون الانتخاب بل قد يكون أهم منه، لأنه يحدد الحقوق والواجبات للمواطنين.
نعم، لا يوجد حقوق من دون واجبات، فعندما يتمتع المواطن بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية حسب ظرف كل دولة، فعندإذ يتوقع منه تطبيق الواجبات المفروضة عليه بالقانون، وأي خلل بالمعادلة يؤدي لمشكلات بالنظام السياسي. إذاً؛  فالتوازن مهم جدا ًفي هذا السياق.
تقوم الدول من خلال قانون الضريبة بتحصيل الأموال اللازمة، وبإعادة توزيعها للمواطنين وعلى المؤسسات والأفراد، وتقديم الخدمات للمواطنين. إن قانون الضريبة، وإن كان بظاهره اقتصادياً، إلا أنه قانون سياسي بامتياز، لأنه يعكس توازنات القوى السياسية في البلاد.
وبالإشارة إلى الجدل الدائر حول تعديل قانون ضريبة الدخل المقترح، فما يزال النقاش يركز على التفاصيل الفنية بالقانون – وهي بالطبع مهمة - ولكن لم تخرج الحكومة على المواطنين لتضع القانون في إطاره الاقتصادي أو التنموي أو الاجتماعي.
حتى الآن جاءت تصريحات المسؤولين بالحكومة كردات أفعال في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي تجاه الحكومة والنقد العنيف الذي تم توجيهه إليها. حتى الردود لم تكن متماسكة، ولا نعلم إذا جاءت بعد دراسة أو دراسات أم أنها كانت بمثابة رسائل لامتصاص مشاعر الناس.
ما ليس سراً أن التعديلات التي سوف تجريها الحكومة على القانون جاءت نتيجة تفاهمات مع صندوق النقد الدولي، وليس نتيجة تقييم واقعي وموضوعي للقانون وأثره على الاقتصاد الأردني. فالهدف الأساسي منه هو زيادة إيرادات الخزينة لمعالجة مشاكل الميزانية والمديونية. ولكن بالرغم من ذلك، فلا توجد دراسة وليس هناك تصور –على الأقل ليس معلناً- حول آثار هذا القانون على الإيرادات أو على النمو الاقتصادي التي يجب أن يكون القانون أحد عناصرها المهمة.أغلب التعديلات التي حدثت على قانون الضريبة، جاءت تحت ضغوط وتوصيات المؤسسات الدولية، ويبدو أن إرضاءها بات هدفاً أهم من تحقيق الأهداف التي تؤديها قوانين الضريبة عادة.
في ضوء النتائج الاقتصادية للتشريعات النافذة وبخاصة قانون الضريبة، فقد بات من الواضح أن ما يحتاج إليه هو ليس تعديل قانون، وإنما إصلاح للنظام الضريبي ضمن أهداف وطنية ورؤية اقتصادية واضحة تشارك بصياغتها الأطراف ذات العلاقة من خلال حوار موسع حولها، ولا سيما لمعالجة مشكلة التهرب الضريبي  وزيادة قاعدة المشمولين بالضريبة لا زيادتها.
إن زيادة الضرائب لن تؤدي لزيادة النمو الاقتصادي تلقائياً، لا بل يجب أن يصاحبه تصور اقتصادي لذلك.
ويجب أن يركز الإصلاح الضريبي المنشود على عدالة القانون، وأن يعمل على تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة والمتضاربة أحياناً لجماعات الدخل المتعددة.

  مقولة ان الاردنيين الافراد لا يدفعون ضريبة دخل مصدرها ان أقل من 5% منهم فقط هم من يدفعون ضريبة دخل. واصحاب هذه المقولة يستخدمونها للمناداة بتوسيع قاعدة ضريبة الدخل مبررين ذلك بأن نسبة من يدفعون ضريبة دخل من الافراد في الاردن هي من اقل النسب بالعالم. 

ولكنها قول يراد به باطل لان الافراد في الاردن يدفعون ما يرهقهم من ضريبة المبيعات التي دخلت عليهم لتكون ضريبة اضافية فوق ضريبة الدخل والضرائب الاخرى . وكان اولى ان تلغى ضريبة الدخل على الافراد من الموظفين في الحكومة والقطاع الخاص بمجرد البدء بتطبيق ضريبة المبيعات عليهم. ولكنها لم تلغ وبقيت على من دخله 1000- 2000 دينار واكثر(بين اعزب ومتزوج ) وهم من يمثلون اقل من 5% من مجموع الافراد الذين لديهم دخل . 

مع ان الحق والعدالة ان تلغى ضريبة الدخل على الموظفين بعد انفاذ ضريبة المبيعات نظراً لانهم الاقل دخلاً بين الافراد من اصحاب الدخل لتقتصر ضريبة الدخل على الافراد غير الموظفين وذلك عملاً بنص المادة 111 من الدستور التي تنص على ان لا تتجاوز الضرائب مقدرة المكلفين على الاداء .

ضريبة المبيعات على الافراد ضريبة عمياء فاقدة للعدالة لأنها متساوية على الغني والفقير وهي بذلك مخالفه لنص المادة 111 من الدستور التي تقرر مبدأ التكليف التصاعدي للضريبة وضرورة تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية . وفوق ذلك تعتبر ضريبة المبيعات عالية بكل المقاييس وتصل سنوياً الى 3 مليار و75 مليون دينار وتشكل وحدها 67% من مجموع الضرائب. وهي بالقيمة أكبر من مجموع كامل الضرائب المباشرة وغير المباشرة (ارباح شركات + دخل افراد + رسوم جمارك + ضرائب الملكيات المختلفة) وتزيد عليها بمقدار مليار دينار و518 مليون دينار .

لا بد من التمسك بالنص الدستوري بمبدأ التكليف التصاعدي في الضريبة وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية فيها. وإذا كنا نرى في هذا المجال الغاء ضريبة الدخل على الموظفين مراعاة لقدرتهم على الاداء الضريبي بحسب المادة 111 من الدستور فإننا لا ندعو ابداً الى تجاهل حاجة الدولة للمال انسجاماً مع ما تتضمنه نفس المادة الدستورية حرصاً على مراعاة حاجة الدولة للمال حيث تنص على :(...... وعلى الحكومة ان تأخذ في فرض الضرائب بمبدأ التكليف التصاعدي مع تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وان لا تتجاوز مقدرة المكلفين على الاداء وحاجة الدولة للمال). ولتحقيق حاجة الدولة للمال على الحكومة ان تجد التدابير اللازمة لتحقيق ما يلي :

1-منع تهرب الشركات من ضريبة الارباح .

2-منع التهرب من ضريبة الدخل من قبل الافراد غير الموظفين وبخاصة ذوي الدخل العالي من الاطباء والمحامين والمهندسين وغيرهم .

3-تفعيل التحصيل الضريبي من الفئتين اعلاه .

وبعد فإنني على كامل الثقة بأن الاصلاح الاداري والمالي لكل من دائرة ضريبة الدخل ودائرة الجمارك ودائرة الاراضي لمنع التهرب وتفعيل التحصيل كفيلة بتحصيل نصف مليار دينار سنوياً على الاقل لخزينة الدولة. وهذا امر قد نعود للحديث فيه لاحقاً.



تكشف المعارك العنيفة التي تخوضها الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاث سنوات إلى جانب حلفائها الدوليين وشركائها المحليين ضد تنظيم الدولة الإسلامية عن حقائق مذهلة تتمثل بهشاشة قدرات القوات المحلية وصلابة قوات تنظيم الدولة، إذ لم تتمكن أي قوة محلية من تحقيق نصر دون مساعدة من القوات الأمريكية التي اعتمدت تكتيكات الأرض المحروقة ونهج تدمير المدن لطرد مقاتلي تنظيم الدولة، الأمر الذي يتطابق مع كافة القوى التي خاضت معارك مع تنظيم الدولة في سوريا بمساعدة روسيا والتي اعتمدت على نهج التطهير المكاني وتكتيكات الإبادة.
 
في هذا السياق إن الحديث عن نهاية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية لا يعدو عن كونه رغبويا، ولا يتوفر على مصداقية، ومناقض للحقيقة، وذلك بسبب عدم فهم طبيعة التنظيم وازدواجيته، حيث يمكن الحديث عن نهاية مشروع التنظيم السياسي كـ "دولة" تتوافر على هياكل للسلطة والحكم تسيطر مكانيا على مناطق مدنية حضرية رئسية كالموصل والرقة ويستند في عسكريته إلى منظق الحروب النظامية الكلاسيكية ويفرض علي مناطق سيطرته منظومته الحاكمة، بينما سوف يعود التنظيم إلى سيرته الأولة  ويحافظ على وجوده كمنظمة تتوافر على إيديولوجبا وهيكل تنظيمي وتمويل يستند بصورة أساسية إلى حرب العصابات وتكتيكات الاستنزاف في المناطق الأكثر صعوبة في العمق الصحراوي، فضلا عن مفارزه الأمنية وخلاياه وشبكاته المنتشرة في المدن. 
 
رغم المكاسب العديدة التي حققها تنظيم الدولة الإسلامية بعد سيطرته على المدن، إلا أن الكلفة كانت باهظة، وسوف يعود إلى استراتيجيته الأساسية التي تستند إلى منطق حرب العصابات التي كان يتبعها قبل سيطرته على أراض في العراق وسورية وإعلانه عن دولة "الخلافة"، وهي إستراتيجية قليلة الكلفة وشديدة الفعالية تقوم على شن هجمات خاطفة عبر مسلحين وعبوات ناسفة وسيارات مفخخة وانتحاريين عبر خلايا التنظيم المتخفية بين المدنيين، فقد طور المجلس العسكري للتنظيم نمطا من الحروب الهجينة، حيث سرعان ما يتكيّف مع التحولات الميدانية وينتقل من نهج اتباع الحروب الكلاسيكية إلى نهج حرب العصابات الذي يعتمد على قوات خفيفة سريعة الحركة ترهق قوات الخصم.
 
برهنت المعارك ضد تنظيم الدولة عن صعوبة تحقيق نصر على تنظيم الدولة دون استخدام خيارات الأرض المحروقة ونهج التطهير المكاني، ذلك أن التنظيم يتمتع بسلوكية قتالية براغماتية فائقة، ويدير موارده البشرية والمالية وفق استراتيجية تقوم على الإقتصاد في القوة والتقشف في الإنفاق، ويجعل من خسائر القوات المهاجمة فادحة بشريا وماديا ونفسيا، فعسكرية تنظيم الدولة ونهجه الاستراتيجي في الصمود والبقاء تتجاوز التجارب التاريخية فبالمقارنة مع حركات ودول تعرضت لهجمات جوية أقل حدة، وبمشاركة دولية أضعف كنظام حركة طالبان في أفغانستان 2001 ودولة البعث في العراق 2003، فقد فقدت طالبان السيطرة على عاصمتها الفعلية قندهار بعد أقل من شهرين من الغارات الجوية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وضربات قوات المعارضة الموالية للتحالف، أما دولة البعث فقد فقدت السيطرة على العاصمة بغداد بعد أقل من شهر ونصف من الغزو الأنجلوأميركي، على الرغم من توافر عناصر تعتبر أساسية في الصمود كوعورة الجغرافيا وتعقيدات الطبوغرافيا، ووجود الحواضن الشعبية.
 
في سائر المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية عجزت القوات المحلية من تحقيق تقدم إلا بعد غارات جوية مكثفة وقضف مدفعي وصاروخي يحول الأبنية إلى ركام دون الاعتبار بقتل المدنيين كما يحدث في مدينة الرقة التي تتعرض للقصف منذ حزيران/ يونيو الماضي ووجود أكثر من 50 ألف مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية بمكوناتها الأساسية الكردية وفصائل عربية أخرى، وبإشراف مئات من القوات الأمريكية والأوروبية وغيرها، بينما لا تزيد أعداد مقاتلي تنظيم الدولة عن ألفي مقاتل حسب الولايات المتحدة.
 
أما صور ومشاهد القتل والدمار في معركة الموصل التي انطلقت في تشرين ثاني/ أكتوبر2016 فقد باتت معروفة، إذ لم تتمكن القوات العراقية المسندة من طائرات التحالف الدولي بقيادة أمريكا من استعادتها دون تدمير المكان بصورة شبه كاملة، بعد أكثر من  تسعة أشهر من القصف، رغم  وجود أكثر من 150 ألف مقاتل من قوات الجيش العراقي وقوات البشمركة الكردية وقوات الشرطة الاتحادية وقوات جهاز مكافحة الإرهاب وسلاح الجو العراقي، وفصائل مليشيا "الحشد الشعبي ــ الشيعي" وفصائل الحشد العشائري السني، فضلا عن قرابة 5 آلاف عسكري ومستشار أمريكي وأوروبي، في مواجهة قرابة  3000 إلى 4500 عنصر من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في المدينة حسب تقديرات وزارة الدفاع الأميركية.
 
لم تكن مدن الموصل والرقة حالات استثنائية، فقد كشفت كافة معارك المدن عن ذات النهج من التدمير فعملية استعادة تكريت التي بدأت في 15 تموز/ يوليو 2014 بمشاركة 30 ألف من قوات الجيش ومليشيات الحشد الشعبي عجزت عن تحقيق تقدم حقيقي ومنيت بخسائر كبيرة أمام أقل من 800 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية، ولم تتمكن من التقدم إلا بعد مشاركة القوات الأمريكية بناء على طلب عراقي رسمي، والتي نفذت ضربات جوية عنيفة على مدينة تكريت منذ 25 آذار/ مارس 2015، وعقب انسحاب معظم مقاتلي الدولة الإسلامية قامت مليشيات الجيش والحشد الشيعي بعمليات نهب وحرق واسعة في المناطق التي دخلتها من مدينة تكريت تحت غطاء جوي أميركي.
 
كما برهنت معركة الرمادي عن صعوبة تحقيق نصر على تنظيم الدولة الإسلامية دون استخدام خيارات الأرض المحروقة ونهج التطهير المكاني، حيث رفعت قوات الأمن العراقية العلم العراقي على ركام مقار الحكومة المحلية المدمرة في مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار، في 28 كانون أول/ ديسمبر 2015، وقد أشارت الأرقام والإحصاءات التي صرحت بها وزارة الدفاع الأمريكية إلى فشل القوات العراقية عمليا باقتحام الرمادي، والتي لم تتمكن من الدخول إلا عقب تدميرها وتحويلها إلى ركام، حيث نفذ التحالف الجوي الذي تقوده الولايات المتحدة 630 ضربة جوية على مدينة الرمادي.
 
تخلص دراسة لمعهد الحرب إلى القول أن تنظيم الدولة الإسلامية مستعد لتحمل خسارة هذه المناطق الهامة ونجاتها بعد ذلك، فقد وجهت الولايات المتحدة القوات التي تدعمها نحو مهاجمة اثنين من أقوى خطوط الدفاع لدى العدو، وما زالت الدولة الإسلامية تسيطر على الأراضي في كلا الدولتين، والأهم من ذلك أنها ستستمر بالحفاظ على قدرتها في اختراق المجتمعات العربية السنية الواقعة تحت الحصار حتى بعد سقوط أكبر قواعدها ودفاعاتها، وتعمل داعش أيضاً على تصدير رؤيتها لمسألة الخلافة إلى فروع خارجية وتحويل أيديولوجيتها عن الخلافة من مجتمع مادي إلى مجتمع افتراضي منظم يعمل على نقل أهداف داعش بشكل مستقل عن المنظمة، وبهذا فإن هزيمة داعش في سوريا والعراق قد لا تكون كافية لهزيمة تنظيم داعش العالمي.
 
بصرف النظر عن قدرة عسكرية تنظيم "الدولة" الذاتية البحتة، فإن قوة التنظيم الحقيقية ترتكز إلى أسباب موضوعية، وفي مقدمتها الشروط والظروف السياسية لعراق ما بعد الاحتلال، والتي أطلقنا عليها مبكرا "الأزمة السنية"، حيث جرى إقصاء وتهميش السنة من العملية السياسية بطرائق عديدة، وبرزت "المسألة الطائفية"، وسوف تشكل عملية تدمير المدن السنية حواضن مؤكدةلتنظيم  الدولة الإسلامية  قي ظل غياب أي برامج لإعادة الإعمار وعمليات الإدماج، ذلك أن طرد التنظيم من المدن السنية سوف يبعث بحروب وصراعات بطرائق أخرى، حيث ستبرز أزمة الثقة داخل العراق، وتظهر الخلافات المركبة والمعقدة بين الفرقاء السنة والشيعة والعرب والكرد، والمواطن والدولة والحكومة والأقاليم المتنازع عليها، فضلا عن بروز المسألة الإقليمية والدولية، وطبيعة الدور الأمريكي والإيراني والتركي، ذلك أن أزمة الثقة هي عنوان عراق ما بعد الاحتلال. 
 
الأزمة السنية التي يعتبر تنظيم الدولة أحد مظاهرها، ستظهر مع مرور الزمن، حيث يمكن التوصل إلى نوع من التفاهمات بين الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة وتقع تحت النفوذ الإيراني وحكومة إقليم كردستان بتبادل وتقاسم المصالح رغم صعوبة ذلك، وربما تقوم أمريكا بالفصل بين القوات في المناطق المتنازع عليها ومعركة النفوذ، لكن أزمة الثقة الكبرى بين السنة والشيعة يصعب تجاوزها، فبروز الحركات السنية الراديكالية هو نتيجة  لعمليات الإقصاء والتهميش والقمع الذي تعرض له السنّة في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وهي السياسات التي ساهمت بقوة بانتقال حركة احتجاج المحافظات ذات الغالبية السنّية من العمل السلمي الذي اتّسمت به في فترة 2012-2013، إلى التمرّد الجهادي العنيف.
 
نهاية معارك المدن السنية بعد تدميرها ستعمل على وضع الأزمة السنية على محك التفجير، نظرا لغياب تصورات سياسية واضحة حول إدارة هذه المدن السنية، وعدم وجود خطط عملية وموارد ومخصصات مالية للتعامل مع مسألة إعادة الإعمار وعودة النازحين، وعلى الأرجح لن تستطيع الحكومة العراقية الوفاء بوعودها للمحافظات السنيّة المدمرة وسوف تتفاقم أزمة الثقة الحادة بين المكونات السنية والشيعية، فالمعركة الحقيقية تبدأ مع انتهاء العمليات العسكرية، حيث تبرز مرة أخرى الجدالات والمطالبات دون حلول جذرية لعراق منقسم لا يزال بعيدا عن الحداثة السياسية وغارق في الانقسامات الطائفية والإثنية، وخاضع للهيمنة الإقليمية والدولية، وبهذا فإن تنظيم الدولة الإسلامية لن يواحه صعوبة كبيرة في إعادة بناء هياكله التنظيمية وتجنيد واستقطاب أعضاء ومناصرين جدد، وقد تكون عودته أسرع مما يعتقد مدمري المدن ممن يئسوا من تحقيق نصر على تنظيم الدولة الإسلامية دون هدم المدن السنية.
 
 
 
 

أحد المنازل في عمان –ومن المؤكد أنه ليس الوحيد- حجز مساحة كبيرة من الشارع خارج السور والرصيف، وثبت شاخصة تقول: "ممنوع الوقوف تحت طائلة المسؤولية". ومن الملفت أن الناس التزموا بالتحذير وابتعدوا عن إيقاف سياراتهم في الشارع في محيط ذلك المنزل. ولو وضع كل منزل في عمان مثل هذه الشاخصة، لاضطر الناس إلى البحث عن مكان لإيقاف سياراتهم في المريخ. لكن المثير للانتباه في هذا التحذير هو عبارة "تحت طائلة المسؤولية". ما المقصود بذلك؟ إذا كان الشارع مساحة عامة غير مسجلة للأفراد، وما لم توجد شاخصة رسمية تمنع الوقوف، فأي سلطة لمواطن ليحمِّل الآخرين "المسؤولية"؟ وهل سيكون الرد "شخط" السيارة بآلة حادة من كل الجهات، أم إفراغ الهواء من الإطارات؟ أم أكثر من ذلك؟ ولماذا لا يحمل صاحب الشاخصة المسؤولية لنفسه عن مصادرة الفضاءات العامة؟
وفي حيّ آخر في عمان أيضاً، قام صاحب منزل فاره "فيلا" بإغلاق شارع قصير يصل بين شارعين أمام منزله بالحجارة من الجهتين. وما يزال هذا الشارع مغلقاً منذ سنوات، وقد قبل سكان الحي بالالتفاف مسافة أطول بكثير للوصول إلى منازلهم، على أساس "الحقائق على الأرض" فيما يبدو. ولا بد أن مغتصب الشارع يعتبر كل من "ينتهك" حيز الشارع المصادر "تحت طائلة المسؤولية" أيضاً. ولأن الناس يفترضون أنه "نافذ"، سواء بالاستدلال بالغنى الظاهر في شكل العقار الفخم، أو باحتلال وظيفة ما مهمة، بدليل تغاضي بلدية المنطقة عن إزالة حواجزه، فإنهم يتجنبون "طائلة المسؤولية" التي قد تطالهم إذا اعترضوا أو تصرَّفوا.
هذان مجرد مثالين فقط من عشرات الأمثلة على مواطنين بيننا يعتبرون أنفسهم فوق القانون –بل القانون نفسه- ويظنون أن لهم حق تهديد مواطنيهم بوضعهم "تحت طائلة المسؤولية". وأمام ذلك، يمتلئ المواطن العادي بالحيرة والتوقع أمام هؤلاء الجيران، ويتصور دائماً شيئاً خفيّاً ربما يفاجئونه به إذا تجرأ على التساؤل بصوت مسموع. وقد يتصور –محقاً- أن "طائلة المسؤولية" قد تعني ضربه، أو إطلاق النار عليه، أو تلفيق قضية له تضعه وراء الشمس. وتبرز ظاهرة الاستئساد على الآخر بشكل خاص في بعض الأحياء ذات الأغلبيات العائلية، أو عند بعض أصحاب القلاع الفخمة الكبيرة.
هذا كله يتعلق بمواطنين لا ينتمون –نظرياً- إلى فئة الزعران الذين يحترفون العنف واستيفاء "الخاوات" والاعتداء دون اعتبار لأخلاق ولا قانون. وإذا أضفنا هؤلاء إلى أولئك، فإن المواطن قليل المال والرجال، أو الذي لا يعتقد بأخلاقية التنمُّر بعزوة أو مال، سيحسّ بسلطة مُقحمة في المسافة بينه وبين القانون الرسمي وسلطة الدولة. وقد يشتبه بأنه إذا وقف أمام هؤلاء في قضية، فإنهم سيستخدمون اتصالاتهم ونفوذهم وعلاقاتهم وانطواءهم على عناصر المكر والشر، ليجعلوه خاسراً أكيداً.
هذه الظواهر المحسوسة في مجتمعنا تتصل في مبتدئها وخبرها بالمفهوم الهام والحيوي: حكم القانون. وفي غياب حكم القانون والآليات العملية والواضحة لتشغيله، يجترئ الأفراد –والمجموعات العائلية أو العصاباتية- على إسناد السلطة لأنفسهم بحرية، وأخذ "حقهم" المتصوّر بأيديهم واستضعاف الأقل منهم حظوة من مواطنيهم. وفي ذلك شكل معاصر من استقواء القبيلة القوية القديم على الأخرى الأضعف، أيام حياة الصحراء المفتوحة التي لم يحكمها قانون ولا دولة. وهو يشفّ عن تناقض مفزع بين الشكل الحضري في المدينة وبين ما يخفيه المظهر المزوّق من بدائية في السلوك تجاه الآخر والدولة معاً.
ربما لا يجوز السكوت. ربما يجب الاتصال بأحد ما للاستفسار عن أحقية مواطن في حجز الشارع، بشاخصة أو بزرع الحواجز والعراقيل. لكن ذلك يتطلب رواج الشعور بأن ذلك يجدي، وبأن استنطاق أحقية أيّ أحد لن تفتح على المستفسر عش دبابير. وستتشكل هذه الانطباعات فقط بمشاهدة نمط متكرر وسائد من التطبيق الحقيقي لحكم القانون، بالمساواة والعدالة اللازمَين والحتميَّين، بلا محاباة ولا واسطة. وسيتطلب الضرب بقوة على أيدي أي أفراد وجماعات تستعير لنفسها سلطة الدولة، وتعطي نفسها حق تطبيق قوانينها الخاصة. ويجب تبديد المناخات والشروط الذي تتيح لمواطنين مدنيين إصدار تهديدات معلنة ومكتوبة بخط عريض، بوضع مواطنيهم "تحت طائلة المسؤولية

الغد 

كاريكاتير

أغوار TV

 

الحياة في صور

أغوارنيوز | صوت الناس