قطر وسياسة "الباب المفتوح": هل أخطأت الدوحة الحسابات؟

امير قطر الشيخ تميم بن حمد ال ثاني-ارشيفية

تبنت الدوحة على مدار تاريخها وبالخصوص منذ تسعينات القرن الماضي، سياسة تعتمد على توفير "ملاذ آمن" لمن يواجه متاعب في بلاده. سياسة "الباب المفتوح" تلك أرادت منها قطر مزاحمة "اللاعبين الكبار" في منطقة الشرق الأوسط على غرار السعودية ومصر. فهل استفادت قطر من تلك السياسة أم أنها أخطأت الحسابات؟

"قبلة للنازحين من أوطانهم"، هكذا وصف الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني دولة قطر التي أسسها في القرن التاسع عشر. فمنذ إنشائها وقبل أن تصبح دولة ذات سيادة وسلطة شرعية، جلبت قطر الواقعة شرق شبه الجزيرة العربية الفارين من بلدانهم.

يقول ديفيد روبرتس الأستاذ المساعد في كلية كينجز البريطانية في حديث مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بتاريخ 16 يوليو/تموز الجاري إن "أرض قطر المهجورة وشبه منعدمة القوانين في القرن التاسع عشر كانت تمثل ملاذا للخارجين عن القانون والقراصنة والنازحين من الاضطهاد عبر شبه الجزيرة العربية. فقد كانت تمثل دائما تلك البقعة التي يسكن فيها الأشخاص غير المرغوب فيهم في ذلك الوقت. فلم يكن هناك قوة تسيطر شرعيا عليها، وإذا طورد شخص ما من قبل أحد الشيوخ في بلاده، فما كان عليه سوى الهروب إلى قطر حيث لن يزعجه أحد بعد ذلك".

وفي منتصف تسعينات القرن الماضي، أصبح الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني يطبق في قطر سياسة استقبال "المغضوب عليهم". فاستضافت الدوحة عائلة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وأحد أبناء زعيم تنظيم "القاعدة" في ذلك الوقت أسامة بن لادن. كما لجأ إليها الرسام الهندي مقبول فدا حسين وأمير الحرب الشيشاني سليم خان يندرباييف الذي اغتالته المخابرات الروسية على الأراضي القطرية عام 2004.

وبدأت الدوحة مع مرور الوقت تشكل سياستها الخاصة بها والمختلفة عن جاراتها من دول الخليج، حيث يختلط في شوارعها القطريون الأثرياء بالقادة العسكريين السودانيين والإسلاميين الليبيين والمصريين.

عاصمة التناقضات السياسية

ويقول الصحافي الأمريكي ديكلان والش في مقاله بـ"نيوويرك تايمز" بتاريخ 16 يوليو/تموز " من يتجول في مدينة الدوحة يشاهد بسهولة التناقضات الناتجة عن سياستها، فترى في الحي الغربي مقرا كبيرا للجامعة الأمريكية، وليس بعيدا عنه تجد مكتبا رسميا لحركة طالبان الأفغانية. وعلى بعد عدة أميال أخرى قاعدة أمريكية تضم 9 آلاف أمريكي، تنطلق منها طائرات في مهمات تستهدف تلك الحركة الأفغانية نفسها. وفي فيلا فخمة بالقرب من السفارة البريطانية، تحتضن الدوحة مكتبا لحركة "حماس" الفلسطينية، وفي المقابل سمحت قطر لإسرائيل العدو اللدود لحركة "حماس" بفتح مكتب تجاري لديها في العام 1996 واستمر العمل فيه حتى تم إغلاقه إثر توتر في العلاقات العام 2008. "

وبموازاة سياسة "الباب المفتوح"، حاولت الدوحة لعب دور وسيط السلام في كثير من الأحيان. حيث شاركت في التوصل إلى اتفاق سلام في لبنان عام 2008 ، عرف "باتفاق الدوحة"، كما لعبت دورا هاما في التفاوض للإفراج عن أسرى مختطفين لدى عدة جماعات إسلامية في سوريا، مثل الإفراج عن الصحفي الأمريكي بيتر ثيو كورتيس عام 2014 بعد عامين من احتجازه من قبل "جبهة النصرة" في سوريا.

ويرى بعض المحللين أن الدور الذي تلعبه الدوحة يروق لواشنطن، حيث أن الولايات المتحدة تعتقد على سبيل المثال أن احتضان الدوحة لـ"حماس" أفضل من لجوء الحركة الفلسطينية إلى دول أكثر تشددا مثل إيران. واستضافة الدوحة لـ"حماس" مكنها من تنظيم لقاءات جمعت خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة والمبعوث البريطاني للسلام في الشرق الأوسط توني بلير عام 2015.

كما أقيمت في الدوحة محادثات سلام بين حركة "طالبان" والحكومة الأفغانية عام 2013، ثم في عامي 2015 و2016، إلا أنها باءت بالفشل.

واستقبال قطر لغرماء سياسيين مكنها من التمتع بحيز من المناورة والتفاوض على عدة جبهات.

مغامرات سياسية تزعج الجيران

أما على الصعيد العربي، فلم تدر تلك السياسة التي تعتمدها الدوحة سوى المتاعب، إذ ارتأت بعض العواصم العربية أن تنهي قطر"مغامراتها" السياسية وأن تلتزم بقواعد اللعبة على الطريقة السعودية (خاصة في تعاملها مع إيران وسوريا وليبيا).

واعتبرت مصر أن السياسات القطرية تمثل تحديا لها، حيث تستضيف الدوحة عددا من المطلوبين أمنيا لدى القاهرة مثل الشيخ يوسف القرضاوي وعددا من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها مصر كإرهابية. وأتاحت منابرها الإعلامية لهؤلاء «المارقين" على الدولة المصرية.

واعتبرت الرياض أن الدوحة هي "الأخت الصغيرة الخارجة عن طوعها" بعلاقاتها مع طهران عدو الرياض اللدود.

وبعد سنوات من شبه "حرب باردة" ، جاء الإعلان في 5 يونيو/حزيران الماضي عن قطع السعودية ومصر والبحرين والإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع قطر ليخرج الصراع السياسي من الكواليس إلى العلن. واشترطت تلك الدول إنهاء الدوحة "لمغامراتها السياسية" لإعادة العلاقات معها.

وبعد أكثر من شهر من القطيعة، وبالرغم من المساعي الدبلوماسية الحثيثة من قبل العديد من الدول مثل ألمانيا والولايات المتحدة وتركيا، بالإضافة إلى الكويت التي تلعب دور الوسيط الرئيسي، لا تزال الأزمة تراوح مكانها، مع تشبث الدول المقاطعة لقطر بمطالبها، ورفض الدوحة لتلك المطالب التي تعتبرها مساسا بسيادتها الوطنية.

ورغم مواصلة الحصار، يبدو أن قدرة الدوحة على الصمود تظل كبيرة بفضل احتياطاتها النقدية الضخمة بلا شك، ولكن أيضا بفضل علاقاتها بدول ذات وزن سياسي كبير مثل تركيا التي تدعمها بقوة، فيما يمثل جنيا لثمار سياسة “الباب المفتوح” التي تنتهجها.

وفي مقابل "الصمود" القطري في وجه الحصار المفروض عليها، يرى ميهران كامرافا الأستاذ بجامعة جورج تاون في حديث مع صحيفة "نيويورك تايمز" أن: “السعوديين والإماراتيين قد يكونون أخطأوا حساباتهم حين توقعوا أن مقاطعة قطر بصورة جماعية من عدة دول ستجعلها ترضخ للمطالب بسهولة وهو ما لم يحدث” على الأقل حتى الآن.

شيماء عزت- ا ف ب

قيم الموضوع
(0 أصوات)

اضافة تعليق

كاريكاتير

أغوار TV

 

الحياة في صور

أغوارنيوز | صوت الناس