مساحه حره (174)

 

 
عبارة «هرمنا بانتظار هذه اللحظة التاريخية»، التقطتها الجزيرة من فم كهل ناضلَ سراً لسنوات من خلف واجهة مقهاه الصغير الذي يرتاده الشباب، فدخلت مقولته التاريخ. عبارة أبكتنا بمزيح من الحزن والفرح، كونها لخّصت التضحيات الجمعية التي قدّمها شباب من أجيال عديدة متوالية، هرمت غالبيتها وهي لا تنتظر فقط، بل تعمل وتجازف وتضحّي (كما كان يضحّي سراً ويُجازف صاحب المقهى ذاك) لتحقيق حلم ربيع عربي ينقلنا للحريّة والديمقراطية وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي يفتقدها عالمنا العربي.

كما نقل ربيع شعوب أوروبا تلك الشعوب، فتطوّرت دول أوروبا وأيضاً أمريكا الشمالية بحيث بات حلم ملايين من الشباب العربي (أو بالأحرى ملاذهم من الانخراط في معركة قاتل أو مقتول)، الهجرة لإحدى تلك الدول، ولو بالمُجازفة بالغرق في قارب يَعبُر المتوسط الذي يفترض «طبيعياً» أن يكن جنوبه هو الأغنى والجاذب للشباب وليس الطارد لهم.

تونس كانت، لما قبل أيام، البلد العربي الوحيد الذي أنجز ثورة ربيعه، وأرفقها بخطوات بناء تمثّلت في دستور تقدّمي هلّل له الشباب العربي واعتبروه مثالاً يُحتذى. ورحّب بتلك الثورة ونتائجها العقلانية والسلمية العالم الغربي، حد إعطاء الأحزاب والتنظيمات المشاركة أو المُنبثقة عن تلك الثورة جائزة نوبل للسلام.

ولكن قبل ثلاثة أيام، حين وقّع 117 ممن أسموا «نواباً» للشعب التونسي على قانون مرفوض شعبياً أُسمي «قانون المُصالحة الإدارية» يبرّئ لصوص عهد بن علي ويوفّر أكبر عملية غسيل لأموالهم.. بتنا نتساءل عن حال هذا المُناضل الذي لخّص تضحيات أمّة وفرحها بالفرج في تلك الجملة البليغة.. هل بقي حياً ليرى «رجال الأعمال» يشترون صكوك الغفران بما جمعوه من عصور الفساد والقمع والتنكيل، أم أن الموت رَحِمَهُ من ذل هكذا لحظة؟!.

القانون بيعٌ لصكوك غفران ولم تتغيّر حقيقته هذه منذ عرضه لأول مرة، فجل ما جرى هو التلاعب بصياغته، كإضافة كلمة «الإدارية» لتسميته للإيحاء بأن من ستشملهم «المُصالحة» موظفين إداريين لم يكونوا يَملكون مُخالفة الأوامر التي يتلقونها من السلطة السياسية، كون رزقهم مصدره الراتب الحكومي.

وهكذا تَسويق يُمثّل إهانة لعقولنا جميعاً وليس فقط لعقول التونسيين. وذلك لكون التبرير الرئيس الذي كان وظل يُساق «كسبب مُوجب» واضطراري لإصدار هكذا قانون، هو جذب استثمارات من ستشملهم المُصالحة.. أي من اغتنّوا بدرجة تمكّنهم من ابتزاز دولة، وليس لرفع المظلومية عن المضطرين للقمة عيشهم.

في حين أن عودة هؤلاء لحصد فرص الاستثمار هو ما سيؤدي لتحول الشعب التونسي لموظفين عند هؤلاء، سواء عادوا بصفة مستثمرين أو تولوا مناصب القرار- كما يُعلن الآن - التي في مقدّمة صلاحيات شاغلها إجازة استثمارات وإحالة عطاءات وترخيص مشاريع لمستثمرين. وقد سبق، وسيلي، تمتع هؤلاء بالصفتين في آن أو تنقّلهم بينهما، ضمن ترتيبات شكلية كتسجيل شركاتهم باسم أفراد أسرهم لدى توليهم مواقع القرار الحكومي لتحال لها العطاءات أو حتى التلزيمات. وهي خدعة مكشوفة تتكرّر في العالم العربي.

وأعجب ما قيل أن هؤلاء سيُعيدون أية أموال كسبوها بغير وجه حق، مع الغرامة، والذي هو اعتراف بالتنفع الفاسد. وما سيتم الاعتراف بحيازته هكذا هو البعض اليسير مما لا يمكن إنكاره وأصبح استرداده محسوماً أينما تم إيداعه. فهذا تحكمه قوانين واتفاقيات دولية تكافح الفساد، لا بل إن العالم مضطر لتسليم من ثبت فسادهم عند طلبه. والتحقيق مع مسجونين مدانين بتهم فساد سيؤدي لكشف المزيد منها لأن من ساهموا في تغطية فساد هؤلاء طوعاً أو خوفاً سيحرصون على كشف ما لديهم لتبرئة أنفسهم. وفي قوانين الدول المحترمة توجد تشريعات تبرّئ من يَقبلون التحول لشهود إدانة.. ولكن ليس لتبرئة من أدينوا من كل ما في ذممهم، ما ظهر منها وما بطن، إن قبلوا إعادة ما ظهر مع ما أسمي غرامة، ويُصبح هنا «بقشيشاً» لخدمة تتجاوز كل ما هو قانوني.

كل الثورات، تاريخياً، تتعرّض لثورات مضادة، سواء أكانت الأخيرة انقلاباً عسكرياً، أو انقلاباً بتوظيف انتخابات تجري بعد طول غياب لتجريب وبالتالي امتحان قدرات ومعادن المرشّحين، بحيث يمكن أن يقوم حتى نواب الشعب الثائر بالانقلاب عليه باسمه لا أقل، ما يُوجب الحذر والجهوزية الشعبية العالية لهكذا محاولات.

فلا أصنام بعد ثورة شعب، ليس في أي موضع قرار حكومي أو نيابي. ولا شرعية لمُنتَخَب إن خرج على ما انتخِب لأجله. وحتى في الدول الديمقراطية المستقرة، هنالك دائماً ثورة كامنة ولكنها لا تظهر لأن المنتخبين يستقيلون لمجرد انخفاض شعبيتهم. والواثق من بقاء شرعية تمثيله لن يُعارض إجراء انتخابات مُبكّرة سواء في هذا مجلس النواب أو الحكومة.

وما يجري في تونس هو العكس، قد أعلن عن تأجل الانتخابات البلدية لأجل عن مسمى

الراية

رغم انتشار خبر اعتقال الشيخ سلمان العودة وعدد آخر من الدعاة السعوديين، إلا أن السلطات الرسمية السعودية لم تنفِ الخبر أو تؤكده حتى الآن. إثبات الخبر يعني في المقام الأولى توضيح ماهية التهم الموجهة إلى العودة وغيره من المعتقلين، وهي معلومات لا تزال مبهمة حتى اللحظة. الأمر الذي يعني أن ما تذكره وسائل الإعلام من تهم جنائية أو أخرى تتعلق بالتطرف والإرهاب ليس لها أي سند قانوني وإلا لكانت السلطات قد كشفت عنها بأي صيغة لتبرير اعتقال هذه الشخصيات العامة. 

تعرض العودة للسجن قبل أكثر من عقدين من الزمن ومكث في السجن سنين عددا. راجع الرجل خلال سنوات السجن كثيرا من مواقفه الفكرية وآرائه الشرعية، وخرج بأفكار جديدة أكثر انفتاحا وابتكارا في تواصله مع الناس. كان العودة سباقا في استخدام كل ما يطرأ من وسائل تواصل اجتماعي لبث رسائله وأفكاره في قالب إنساني مشوق من أول الأفلام القصيرة إلى الخطب المباشرة والتغريدات المستمرة على موقع تويتر في دولة تبلغ نسبة مستخدمي تويتر فيها أعلى معدل بين دول العالم. 

الزمن الآن يختلف عنه قبل أكثر من عشرين سنة، حين كان العودة شابا في مقتبل الثلاثينات من العمر لا يملك من وسائل التواصل مع الناس سوى شرائط الكاسيت وخطب ودروس المساجد. أصبح سلمان العودة في السنوات الأخيرة نائبا لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وضيفا شبه دائم على العديد من القنوات الفضائية ويبلغ متابعوه على موقع تويتر أكثر من أربعة عشر مليونا، أي نحو نصف عدد سكان المملكة العربية السعودية البالغ عددهم نحو 32 مليون نسمة. وهو ما يعني أن اعتقاله رسالة لكل دعاة الإصلاح في المملكة وتصعيدا له ما بعده. 

ليس سرا أن جواز سفر العودة تم سحبه خلال السنوات الماضية عدة مرات وضُيق على نشاطاته قبل أن يتم السماح له باستئنافها والسفر لاحقا. وقد كان يمكن محاصرة الرجل كما حدث من قبل، لكن يبدو أن الأمر هذه المرة أكبر من محاصرته. في الوقت نفسه يحار المحللون في فهم دوافع اعتقال هذه الشخصيات وعلى رأسهم سلمان العودة. فهم علماء لا يقودون تنظيما سياسيا ولم توجه السلطات لهم أية تهم معروفة ولم تصدر عنهم أية آراء سياسية خلال الفترة الماضية. والتعبير عن الآراء السياسية ليس تهمة بالطبع، لكنها إحدى الذرائع للتنكيل بالشخصيات العامة في معظم أرجاء العالم العربي، وهي ذريعة منتفية في حالة هؤلاء المعتقلين. 

في مطلع التسعينات كان هناك حدث زلزل الخليج وهو غزو الكويت من جهة ودخول القوات الأجنبية إلى الجزيرة العربية من جهة أخرى. وكان العودة ضمن من كتبوا ما يسمى بمذكرة النصيحة للسلطات الحاكمة آنذاك تطالب بالإصلاح السياسي والاجتماعي والبعد عن مثل هذه التحالفات الخارجية. وكلفه هذا الموقف خمس سنوات وراء القضبان في حينه من دون محاكمة. وبعد كل هذه السنوات يعود العودة إلى السجن مرة أخرى ليس بسبب موقف سياسي أو تصريحات ملتبسة وإنما لسبب غير معروف. ولم تشفع له أفكاره التي لطالما تم الاحتفاء بها قبل سنوات كمثال للاعتدال والوسطية. وقد يكون القاسم المشترك بين عهدي سجن العودة هو المنعطفات الخطيرة التي تمر بها السعودية بإرادتها تارة ومن دون إرادتها تارة أخرى. وهي منعطفات لا تقل في خطورتها عما حدث في مطلع التسعينات.

وكما أن مطالب العودة ورفاقه لم تلق آذنا صاغية حينها، لن تجد أفكاره المتطورة آذانا صاغية حاليا. فقد سلمان العودة حريته في كلا العصرين لكن خسارة السعودية والخليج قبل عشرين سنة من ناحية المال والنفوذ كانت أكبر، وهي الخسارة المرشحة للتكرار خلال السنوات القادمة إذا استمر هذا النهج

عربي 21.

تنافح إسرائيل بقوة عن حق الشعب في “تقرير مصيره”، ويتبارى قادتها من مختلف الاتجاهات في إعلان دعمهم لانفصال إقليم كردستان عن العراق ... وثمة معلومات، قديمة وجديدة، عن “روابط”، سرية وعلنية، بين الحركات الكردية وإسرائيل، بعضها يعود لستينيات القرن الفائت، وبعضها حديث، وتجري المبالغة عن قصد، في تضخيم أثر “العامل الإسرائيلي” في “المسألة الكردية”، وتصدر هذه المبالغات عن مصدرين: أولهما إسرائيل، التي تسعى في توسيع شقة الخلاف والصراع بين العرب والكرد، من ضمن استراتيجية لتفتيت المنطقة، وتحويلها إلى فسيفساء من الأقليات، تظهر معها إسرائيل بوصفها “الأقلية الكبرى” في الشرق الأوسط. أما المصدر الثاني، فهم خصوم الحركة الانفصالية الكردية، من عرب وعجم وترك، الذي يسعون في تصوير كردستان العراق كـ “إسرائيل ثانية” في المنطقة، بهدف حشد المخاوف والشكوك في النوايا الكردية، وتوسيع جبهة العداء والكراهية لأكراد العراق وأكراد المنطقة ككل... علماً بأن أكراد العراق والمنطقة عموماً، كأي مجتمع من مجتمعاتها، فيه من يراهن على إسرائيل ويسعى لتوطيد العلاقة معها، تماماً مثلما تفعل حكومات وأنظمة عربية قريبة وبعيدة، ومثلما تردد بعض تيارات المعارضات العربية، خصوصاً في دول الأزمات، وفيه من يتخذ مواقف مغايرة تماماً. وللأكراد العراقيين صلات تاريخية مع الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية المعاصرة وفصائل منظمة التحرير، وبعضهم قاتل ببسالة في خنادقها وقواعدها طوال سنوات المواجهة العسكرية مع إسرائيل من لبنان وفي جنوبه، وبعضهم كان في صدارة صفوف حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني في المغتربات والشتات، الفلسطيني والكردي على حد سواء. إسرائيل منافقة وهي تزعم التزامها بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه، فهي تمنع على الشعب الفلسطيني حقاً مماثلاً في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وهي تفرض أبشع وأطول احتلال في تاريخ البشرية جمعاء، على شعب توّاق لحريته وتحرره ... وقادة إسرائيل يتقمصون ثوب الحمل الوديع وهم يذرفون الدفع على معاناة الكرد ومراراتهم، فيما ممارساتهم الاحتلالية الاقتلاعية، تشف عن ذئب متوحش في ثياب هذا الحمل. بمقدور العرب، العراقيين أولاً، أن يدفعوا الأكراد دفعاً إلى الأحضان الإسرائيلية، من خلال الاستجابة لمكر إسرائيل والوقوع في أفخاخها ... وبمقدورهم أيضاً أن ينجحوا في كسب ود الأكراد وصداقتهم، بل وتحالفهم وانحيازهم للقضايا العربية، إن هم أجادوا مقاربة هذا الملف بصورة متوازنة تحفظ أمن دولهم ومصالح شعوبهم ... وتبدأ المسألة باعتراف عربي بحق الكرد في تقرير مصيرهم، والاعتراف بهم كأمة نعيش معها وتعيش معنا منذ فجر التاريخ، والبحث عن صيغ وترتيبات لضمان عيش آمن وكريم للجميع، من دون هيمنة أو شوفينية، ومن دون استتباع أو “استكراد” كما في التعبير الشعبي المفعم بالعنصرية ... بمقدور العرب أن يسدوا أي ثغرة تتسلل من خلالها إسرائيل إلى هذه الأمة الشريكة لنا في تاريخ المنطقة وجغرافيتها ... ومثلما نجح العرب ذات زمان في تحصين أفريقيا وأمريكا اللاتينية في وجه التمدد الإسرائيلي، فإنه من باب أولى أن يجربوا النجاح مع إخوة وأشقاء لهم في التاريخ والجغرافيا والدين وكثير من القيم والعادات والتقاليد. إسرائيل تروّج لـ “حلف الأقليات” في المنطقة، وهي تعرض نفسها صديقاً صدوقاً للأقليات الدينية والعرقية فيها، وهذه مقاربة “ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب”، وعلى العرب أن يفعلوا كل ما بوسعهم، لإقناع “أقلياتهم” وليس الكرد وحدهم، بأنهم مواطنون لا رعايا، وأن حقوقهم الفردية والجمعية، مكفولة في دول مدنية – ديمقراطية تقوم على أساس المواطنة الفاعلة والمتساوية ... على العرب أن يسلموا بان فراقاً (انفصالاً) توافقياً خير بمائة مرة، من وحدة قسرية، لا يعني مرور الزمن فيها، سوى تكريس الشروح والندوب والانقسامات. وعلى الكرد في المقابل، عراقيين أم غير عراقيين، أن يصلوا إلى الاستنتاج النهائي، بأن مستقبلهم يتقرر في ضوء نجاحهم في إقامة علاقات طبيعية وحميمة مع إخوانهم العرب، وأن التلويح بالتعاون مع أعدائهم أو الاستقواء بهم، هي سياسة قصيرة النظرة، وتزرع بذور صراعات لاحقة، وعليهم أن يطردوا مرة وإلى الأبد، فكرة الاستثمار في الجسم العربي الهزيل والمتشظي، فالضعيف اليوم، سيتقوى غداً، وما يؤخذ في لحظة “استباحة” لن يظل لقمة سائغة لمن يغتصب حقاً ليس له ... العلاقة بين العرب والكرد، يجب أن تُقرأ من منظور المصلحة والمستقبل، لا أن تبقى أسيرة لعقد الماضي ومآسيه، فالتطلع للأمام هو ما يفيد الشعبين ويؤسس لعلاقة مستقبلية وطيدة، يبدو الجميع، وبالأخص الكرد، ولكل الاعتبارات المعروفة، بحاجة لها مثل العرب، وأكثر منهم

الدستور.

مر أمس 24 عاماً على توقيع "اتفاقيات أوسلو" في العام 1993. والحصيلة الأبرز الآن هي رسوخ قناعة واقعية لدى الاحتلال بأن كلفة الالتزام باتفاق نهائي مع الفلسطينيين تفوق بكثير كلف عدم الاتفاق. وكبداية، لم يدفع الكيان أي كلفة عن عدم التزامه ببنود "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي" الذي كان يجب أن ينشِئ دولة مستقلة في خمس سنوات، وواصل احتلاله بـ"تعاون أمني" كامل من السلطة الفلسطينية، وحقق مكاسب احتلالية إضافية حتى أصبح "احتلال خمس نجوم" .

قبل 4 سنوات، وبمناسبة مرور 20 عاماً على توقيع الاتفاقيات، أصدرت منظمة "أوكسفام" تقريراً موجزاً بعنوان "20 حقيقة: 20 عاماً على اتفاقيات أوسلو". وكانت الحقائق كما يلي:

- وسعت إسرائيل مستوطناتها باطراد في الضفة الغربية، بما في ذلك في القدس الشرقية؛ وزاد عدد مستوطنيها أكثر من الضعف، مرتفعاً من 265.000 إلى أكثر من 520.000 في الضفة، بمن فيهم 200.000 في القدس الشرقة.

- تسيطر إسرائيل على 80 % من موارد المياه الفلسطينية، ويستهلك 520.000 مستوطن إسرائيلي أكثر من ستة أضعاف ما يستهلكه 2.6 مليون فلسطيني في الضفة.

- هدمت إسرائيل أكثر من 15.000 مرفق في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1993، بما فيها منازل، وأنظمة مياه، ومرافق زراعية وأملاك حيوية أخرى.

- أصبحت المستوطنات الإسرائيلية المتوسعة باطراد تسيطر على أكثر من 42 % من أراضي الضفة الغربية.

- هناك أكثر من 100 بؤرة استيطانية، تسيطر مجتمعة على أكثر من 13.000 دونم من أراضي الضفة.

- لا يتمتع الفلسطينيون بأي حماية من عنف المستوطنين.

- تم إغلاق غزة بازدياد عن العالم الخارجي، وارتفعت معدلات البطالة فيها من أقل من 10 % في التسعينيات إلى أكثر من 32 % اليوم.

- تم تدمير صناعة الصيد في غزة. ونصت "أوسلو" على تخصيص 20 ميلا بحريا للصيد؛ واليوم، لا يُسمح للصيادين بالذهاب أبعد من 6 أميال بحرية عن الشاطئ، وهم عرضة دائماً لإطلاق نار البحرية الإسرائيلية.

- ليس لدى سكان غزة المتزايدين مكان يذهبون إليه، وكانت كثافة السكان في العام 1993 نحو 1.870 شخص لكل كم مربع، وأصبحت اليوم 4.657 شخص لكل كم مربع.

- لجعل المكان الصغير أصلاً أصغر، وسّعت إسرائيل المحيط الأمني المتفق عليه في أوسلو من جانب واحد بلا توقف.

- تم تقسيم الأرض والناس والمجتمع الفلسطيني. ويناضل سكان القدس الشرقية لمواصلة العيش في منازلهم. ويقدّر أن بلدية القدس الإسرائيلية هدمت أكثر من 1.600 من المباني السكنية والعامة والتجارية منذ 1993.

- قيّد نظام من 550 نقطة تفتيش وحاجزا وبوابة إسرائيلية حركة المدنيين الفلسطينيين بشدة.

- فصَل الجدار الذي بنته إسرائيل المجتمعات الفلسطينية فعلياً، وقطعها عن أراضيها الزراعية والخدمات الحيوية.

- يجري قطع القدس الشرقية، التي كانت محور الحياة السياسية والتجارية والدينية والثقافية الفلسطينية، باطراد عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

- تحتاج الأسر الفلسطينية المنفصلة موافقة الحكومة الإسرائيلية لتجتمع معاً. ولم تتم معالجة طلبات لمّ شمل الأسر إلا منذ العام 2000 على أساس "لفتة سياسية".

- ألغت الحكومة الإسرائيلية من جانب واحد حقوق الإقامة لأكثر من 11.200 مواطن فلسطيني في القدس الشرقية.

- يواصل النظام الاقتصادي الفلسطيني الذي كان مستقلاً ذات مرة دفع ثمن الاحتلال الإسرائيلي المستمر. ولو مُنح الفلسطينيون حصة عادلة من موارد المياه، ورُفعت القيود عن المنطقة (ج)، فإن الاقتصاد الفلسطيني سيولَّد 1.88 مليار دولار إضافية سنوياً.

- في حين ازدهر الناتج القومي الإجمالي في إسرائيل، اختنق نظيره الفلسطيني. ومنذ العام 1993، ارتفعت حصة الفرد من الدخل القومي الإجمالي في إسرائيل من حوالي 13.800 دولار إلى أكثر من 32.000 دولار. في حين تغيرت حصة الفرد الفلسطيني من 2.000 دولار في أوائل التسعينيات إلى 2.093 دولار اليوم، وانخفضت في غزة من 1.230 دولار إلى 1.074 دولار.

- تكلف الأراضي في المنطقة (أ) نحو 150 % أكثر من الأراضي المماثلة في المنطقة (ج). وقد تضخمت كلفة الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب) بشدة بسبب القيود على التطوير الفلسطيني في المنطقة (ج).

 

الغد- تحول مركز مدينة الخليل الذي كان نابضاً بالحياة ذات مرة إلى مدينة أشباح. وتم تقسيم الخليل، التي كانت مركزاً تجارياً لكامل جنوب الضفة الغربية، إلى اثنتين كجزء من مفاوضات أوسلو.

تباينت ردود فعل الأردنيين على قرار مجلس الوزراء يوم أول من أمس، بملاحقة رئيس مجلس الإدارة الأسبق لشركة الفوسفات الأردنية وليد الكردي بين مصدّق ومرحّب وبين ساخر ومشكك من الخطوة برمتها ووصفها بأنها "ضحك على الذقون".

القرار يتضمن السير في الإجراءات القانونيّة لاسترداد الكردي، المحكوم بقضايا استثمار الوظيفة المتعلقة بشركة مناجم الفوسفات الأردنية، وتحصيل الأموال المقدرة بأكثر من 300 مليون دينار.

بحسب القرار، جميع الخيارات القانونيّة متاحة بالتنسيق مع النيابة العامّة، والمتمثّلة بالتعميم على الفار الكردي دوليّاً عن طريق (الإنتربول)، بما يتيح إلقاء القبض عليه، وصولاً إلى تسليمه للأردن.

رسميا، يوجّه الأردن مخاطبته لوزير الداخليّة في المملكة المتحدة بصفته نظيره في اتفاقية المساعدة القانونية المتبادلة في المسائل الجنائية الموقعة بين الأردن والمملكة المتحدة؛ وذلك لتسهيل إجراءات القبض على الكردي واسترداده ومصادرة المبالغ المحكوم بها، ضمن القنوات الدبلوماسية المتبعة في مثل هذه الحالات.

لكن اللافت في الجزئية السابقة أن طلبا أردنيا قدم بهذا الخصوص قبل نحو ثلاث سنوات رفضته السلطات البريطانية، وكانت رئيسة الوزراء الحالية وزيرة للداخلية في حينه، والتي تابعت ملف الطلب الأردني ورفضت الفكرة من الأساس بناء على رأي القانونيين البريطانيين، فما بالك الآن وهي رئيسة للوزراء، فلا أظن أن الحال سيختلف.

الفكرة أن كل الخطوات التي تضمنها قرار مجلس الوزراء الأخير ليست جديدة، وفقا للمعلومات، وتم اللجوء إليها جميعها قبل أعوام، ولكن دون فائدة، ولا أستطيع أن أجزم وأقول ما يقوله البعض بأن قرار مجلس الوزراء لم يكن ضروريا ولا منفعة منه لأن الأمر عمليا لا يحتاج لقرار مجلس وزراء، كون مثل هذه المهمة منوطة قانونيا بالنيابة العامة والأمن العام من خلال متابعة الموضوع مع الإنتربول، فهم أصحاب الصلاحية.

الأهمية من صدور قرار مجلس وزراء بهذا الخصوص، هو الرسالة السياسية ذات الرمزية العالية، التي تؤكد أنه ما من أحد فوق القانون، وأن ملاحقة الفاسدين واجب، وهو ما يرضي بعض مطالبات الأردنيين باستعادة أموالهم المنهوبة ولو نظريا، كما أن الرسالة تتضمن تأكيدا على أن الدولة الأردنية لا يمكن لها تبرئة الفاسدين، بل على العكس من ذلك، فهي تسعى على الدوام إلى التذكير بفسادهم وعداوتهم للشعب واستغلالهم لأمواله ومقدراته، وهذه الرسالة مهمة جدا، فهي ما يعطي للأردن خصوصيته وتميزه.

بصراحة؛ الممكن قانونيا في ملف الكردي محدود، وللأسف، فدور وزير العدل، مثلا، يقتصر على طلب المساعدة وفقا للاتفاقيات الموقعة بين البلدين، وليس أكثر، فيما قد تساعد الاستعانة بالإنتربول في القبض على الكردي في أي دولة أخرى أثناء سفره.

كما أن الاتفاقية الموقعة بين البلدين لا تخدم الموقف الرسمي، كونها لا تنصّ على تسليم المجرمين ولا تُعَدّ قاعدة قانونية متينة للمطالبة بتسليم الكردي، فهي مجرد اتفاقية تنص على المساعدة القضائية وليست اتفاقية تسليم مجرمين، وقد سبق للحكومة البريطانية أن رفضت طلبا بالتسليم.

حتى لا نرفع سقف التوقعات وتبقى القصة عند حدودها الرمزية الإيجابية، فإن من المفيد إعلام الرأي العام أن ثمة مراجعة تمت في السنوات الماضية لجميع عقود الشركة إبان إدارة الكردي للشركة، وللأسف لم تفضِ إلى نتائج مفيدة يمكن البناء عليها، فجميع التعاقدات، على علاتها، مغطاة بالقانون وفقا لرأي قانوني قدمه محامٍ يصنف ضمن قائمة أفضل القانونيين.

لكن، وبعد العرض السابق كله لا أتفق مع من يقلل من أهمية الخطوة، على ضعف معطياتها القانونية، لأن في ظلها محاكمة سياسية جديدة لأردني فرّ بعد أن أتقن جيدا لعبة الغطاء القانوني لكل أعماله.

كان يمكن تجنب مثل هذه الخطوة، ربما، لعدم جدواها الحقيقية ونظرا لعلاقات المجرم نفسه، ومثل هذا القرار كلنا يعرف أنه لا يقتصر على "هوى" رئيس الوزراء، بل يحتاج إلى موافقات وتوافق من جميع الأطراف

الغد.

لا شك أن التطورات الحاصلة باطراد في كل من العراق وسوريا، وبعض جيوب تواجد أقدام  "تنظيم الدولة الإسلامية" وأخواتها، قد تُعيد الأمل إلى إمكانية استمرار الحياة، وبسط الأمن ولو في شروطه الدنيا، في ربوع هذه البلاد..أما إعادة الإعمار والعودة إلى نقطة ما قبل التدمير فتلك قصة تحتاج إلى وقت، وتفكير، وتخطيط، وإمكانيات تفوق قدرة البلدان المعنية منفردة.

تؤكد مجمل الوقائع الحاصلة في الأرض العراقية (الموصل تحديدا)، و(الربوع السورية) (نقط تغلغل واستقرار التنظيمات المتطرفة)، على أن الحركات "الإسلاموية" في طريقها إلى الاندحار والزوال، وأن تطهيرها بالكامل مسألة وقت ليس إلا، وبتحقق هذا المشهد، ستنتهي حقبة من أشد الحقب قسوةً وعنفاً وتدميرا في المنطقة العربية،  وستفتح ربما حقبة جديدة يكون عنوانُها الأبرز ما بعد "داعش"، وموت "الايدولوجيا الاسلاموية المتطرفة"، بكل ما تحمل من ممارسات مدمرة للحياة والبشر، ومشينة للإسلام ومضرة بقيمه. بيد أن السؤال الكبير الذي قد يُطرح، وسيُطرح لا محالة، سيكون ما بعد موت "داعش"، ومن سيملأ الفجوة والفراغ الناجمين عن اندحار هذه الإيديولوجيا وتعبيراتها التنظيمية والسياسية؟.
   
ليس سهلاً منهجياً وموضوعياً رسم خُطاطة عن البديل أو البدائل المُحتملة لما بعد زوال "تنظيم الدولة الإسلامية"، فالأفق مفتوح على أكثر من مسار وطريق قد تعرفه المنطقة العربية، وتكتوي به شعوبها ومجتمعاتُها، لكن من الممكن الإشارة بشكل نقدي إلى مواطن الوَهن التي وسِمت، ومازالت تسِمُ الواقع العربي، وتحدّ من حظوظ استرجاعه عافيته، والانطلاق نحو مستقبل أفضل.. والحقيقة أن حقبة هيمنة "داعش" وتمددها وقيامها بما قامت به من دمار طال روح الحياة في الإنسان، يمكن أن تكون مصدر استخلاص الدروس لما يجب القطع معه بالكامل، والتأسيس على نقيضه لما يجب أن يُعيد للمنطقة العربية قوة النهوض جديد، والقدرة على إنجاز بناء مُغاير لمجتمعاتها.

لعل أول درس يمكن استخلاصه والاسترشاد به في التفكير في ما بعد "داعش"، عدم ترك الفراغ الفكري والإيديولوجي تحت طائلة أي مبرر، وتجنب التفريط في بناء القواسم المشتركة، والتوافقات السياسية بالحوار الصريح والصادق، واعتبار المحافظة على كيانات العيش المشترك (الأوطان) مما لا يقبل المناقشة أو المساومة، وأن الاختلاف وهو فريضة محمودة لا يكون إلا في ما لا يضر ويقوض الكيانات الوطنية. الشاهد على قوة هذه الخلاصة من تجربة ما قامت به داعش، أن التيارات الفكرية والإيديولوجية الأساسية في المنطقة العربية، عجزت عن تجسير علاقاتها البينية، وعزّ عليها مراكمة ثقافة الحوار والتوافق، وصون كيانات العيش المشترك، سواء تلك الممارِسة للسلطة كليا أو جزيا، أو الموجودة في المعارضة.

وحين انطلق "الحراك العربي"، مع مستهل العام 2011، أو ما سمي "الربيع العربي"، وجدت روافعه الاجتماعية، من شباب وفئات كابدت ضيق العيش وظلم النظم، نفسها في مركبة بدون قائد، أي حراك بدون عقل يضع له الخطط ويرسم الآفاق، ويجنبه الانزلاقات، ويقوده إلى النجاحات، كما حصل في التاريخ الحديث، وفي أكثر من موقع في العالم في الربع الأخير من القرن العشرين. لذلك، كانت المناسبة سانحة لـ" الإيديولوجية الإسلاموية المتطرفة" وتعبيراتها التنظيمية من "داعش" وأخواتها لاستغلال الفراغ، والانقضاض على المنطقة .. والمحزن حقاً أن مجمل هذه التيارات الأساسية ظلت تتفرج على ما يجري في ربوع بلدانها، وترى أوطانها تتحول إلى قطع فسيفساء يوماً بعد يوم، و تُراقب مجتمعاتها وهي إما تموت بالذبح وأزيز الرصاص، أو تهاجر في كل الاتجاهات عسى أن تفلت بجلدها.

لكن بالمقابل، وهذا هو الدرس المُستخلص الثاني، تُثبت الوثائق الصادرة هنا وهناك، أن "تنظيم الدولة الإسلامية" لم يكن في إمكانه أن يظهر، ويتقوى، ويملأ الفراغ، لو لم يكن مدعوماً، ماديا، وتنظيمياً وتخطيطاً، من أكثر من مصدر دولي وجهوي.

والحال أن الوقائع في الأرض أثبتت أن الخاسر الأكبر، إن لم يكن الأوحد، في ظهور هذا التنظيم ووصوله إلى ما وصل إليه، وقيامه بما قام به، هو البلاد العربية، ومشروع العرب في أن يكون لهم مكانة ودور إلى جانب نظرائهم في العالم. 

لنلاحظ على أرض الواقع ما حققت القوى الكبرى من مكاسب والمنطقة العربية تتجزأ بانتظام، وتتراجع إلى الخلف، وتتعقد حظوظ عودتها إلى سابق عهدها على عِلله وجوانب وهنه، ولنلاحظ كيف استفادت القوى الإقليمية من هذا الوضع، تركيا وإيران وإسرائيل تحديداً.. إنها اللعبة التي كثر فيها الرابحون، وكان الخاسر وحيدا وأوحد، أي البلاد العربية ومجتمعاتها.  

هل ثمة قوى تستطيع الحلول إيجابياً محل الفراغ الذي خلفه، أو سيخلفه نهائيا اندحار "داعش"؟ وما هي هذه القوى، وما طبيعة إمكانياتها؟، وهل يسمح لها السياق الدولي والإقليمي بإمكانية أن تكون بديلاً إيجابيا ونافعا للمنطقة العربية؟

يصعب حقيقة الحديث بقدر من الجزم والوثوقية عن وجود بديل أو بدائل فعلية وناجعة لما بعد موت "داعش".. فصورة الواقع العربي رمادية، حتى لا نقول قاتمة، والضاغط من قسماتها على وعي الناس وإدراكهم الجمعي أنه لم يعد لدي ثقة في الموجود من التيارات الفكرية والسياسية، وحتى التعبيرات المعبرة عن المجتمعات الأهلية أو المدنية لم تعد مُقنعة بما يكفي قياساً لأدائها، وصدق ممارستها..نحن في الحقيقة أمام وضع موسوم بالتيه، وفقدان البوصلة ، وضعف وضوح المعالم، وهي كلها سمات طارٍدة لأي تفاؤل في الحديث عن البديل، أي عن المستقبل..لكن تعلم تجارب التاريخ أن وضاع من هذا النوع تمكنت شعوب كثيرة من "الانبعاث من الرماد"، والإمساك بمصيرها بيدها إن هي أرادت وصممت، وعملت بصدق في هذا الاتجاه
 
 كاتب مغربي-*

"القديم يحتضر، والجديد لا يولد"، قالها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في قراءته للأزمة العميقة التي عاشتها إيطاليا في ثلاثينيات القرن العشرين. 

عند القياس مع العالم العربي، فإن مقولة غرامشي تنطبق على الحالة العربية ما قبل الانتفاضات الشعبية السلمية التي اندلعت في العديد من الدول العربية، وكانت تنذر بانتقال عدواها لمعظم الشعوب العربية.

بعد الانتفاضات ومآلاتها وتداعياتها، يمكن القول إن النظام القديم تعاد له الحياة، وإن الجديد يجهض.

وفي هذه الأيام، يكثر الإعلان عن انتصارات في غياب الشعوب التي كانت تُمّني الذات بنصر يحقق لها شعاراتها البسيطة (خبز وحرية).

ينتصر الجيش العراقي ومليشيا الحشد الشعبي وأمريكا وحلفها غير المقدس في الموصل، لكن شعبها الذي دفع ثمن سيطرة داعش على مدينته ظل يعاني من الاستعباد والقهر، وهو يدفع الآن ثمن هزيمة داعش وإخراجها من مدينته بضحايا القصف التدميري وبالانتهاكات، وقد تعرّض العشرات من أبناء المدينة لتصفيات جسدية، ولأشكال من التعذيب، بحسب تقارير منظمات حقوقية، ويُتَهم المئات بل الآلاف من المواطنين، الذين خضعوا سابقا لسيطرة داعش، بشبهة الانخراط في التنظيم، أو بتقديم الدعم له، تحت طائلة العقاب الشديد خارج القانون وداخله. 

الشيء ذاته يتكرر في مدينة الرقة السورية وريف حمص وحلب ودمشق، حيث لا يحسب حساب لحياة وأمن المواطنين المغلوبين على أمرهم. 

وفي مدينة حلب جاء الانتصار على صورة تدمير شامل لجزء من المدينة وتشريد كل المواطنين منه، وهو ما حدث لعدة أحياء في مدينة حمص. 

لماذا تقتصر المعالجة على الحسم العسكري والأمني في سورية والعراق وليبيا، ويضرب بعرض الحائط معالجة الأسباب وبتصويب الاختلالات الاجتماعية التي أعادت تلك الشعوب إلى مراحل ما قبل تشكل الدولة.

يجوز الاعتقاد بمشروعية تطلع الشعوب إلى عقد اجتماعي جديد ينطلق من حقوق المواطنة دون تمييز، ويعيد تعريف الدولة بما هي دولة قانون تحمي الحقوق المدنية وتضمن التعايش بين مكوناتها الدينية والإثنية والقومية، وتحترم وتصون التعدد السياسي والثقافي والديني، وتضمن التبادل السلمي للسلطة في إطار الحريات العامة والديمقراطية. 

هذا المخرج المنطقي لا يقتصر على شعب من دون آخر، لكن هذا المنطلق غير مقبول بالمطلق من الأنظمة المستبدة التي تنصب نفسها عنوة وصيّة وممثلة للشعب، والتي ترى في كل مسعى لتغيير قواعد اللعبة مؤامرة خارجية تستهدف البلد برمته، وتعمل بكل طاقتها على قمع كل محاولة ومسعى، كان ديمقراطيا سلميا أو غير ديمقراطي. 

إن حل الأزمة مهما بلغت من استعصاء، لا يكون إلا من داخل البلد واستنادا لمصالح شعب البلد الذي من حقه تقرير مصيره بنفسه دون تدخل أو وصاية من أحد، وما عدا ذلك فكل حل سيندرج تحت بند تقاسم النفوذ والسيطرة الإقليمية والدولية على البلد وشعبه، وهو ما يحدث هذه الأيام.

من يراقب الخطاب السياسي والإعلامي سيجد حلفا موحدا ومتفقا على هزيمة داعش وشبيهاتها من المنظمات الأصولية الإرهابية، لكن كل طرف من أطرافه يسعى للحصول على حصة من البلدان المنكوبة بالاستبداد والإرهاب. 

ينطبق هذا على روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران والسعودية وإسرائيل.

هؤلاء يقررون مصير سورية والعراق وليبيا ومصر ولبنان وفلسطين بالاستناد إلى المصالح المجتمعة ومصالح كل بلد على انفراد. 

كل هذه البلدان ضد التغيير الديمقراطي الحقيقي الذي ترنو له الشعوب، وكل قوى التدخل أجمعت على بقاء الأنظمة المستبدة وعلى دعمها عسكريا ولوجستيا وسياسيا. ولا يغير من هذا الموقف الحماسة لتغيير بعض الرموز المستهلكة "مبارك وبن علي والقذافي وصالح والأسد" تأييد خلع رموز لا يعني إسقاط النظام الذي يتربع فوقه الرمز ولا يعني المس بالطبقات الرأسمالية التي يعبّر عنها النظام. 

إن مواقف دول التدخل الدولي والإقليمي منسجمة ومحسوبة بدقة مع المصالح، مثلا الولايات المتحدة لا توجد لها مصالح كبيرة في سورية، إلا من زاوية اللعب بالورقة الكردية التي لها تأثير على العراق وتركيا، ومن زاوية الأمن الإسرائيلي، فقد اكتفت الولايات المتحدة بإزالة السلاح الكيماوي، ولم يضرها وقوع سورية في القبضة الروسية، ولا انتهاكات النظام بحق مواطنيه، ولا تغلغل إيران وحزب الله والمليشيات الشيعية طالما التزمت بقواعد الأمن الإسرائيلي.

مقابل تدخل الولايات المتحدة بمستوى أعلى في العراق دفاعا عن النفط وما يهم إسرائيل هو تقديم الحرب على الإرهاب على ما عداها، والتطبيع مع الدول العربية من موقع "العداء المشترك" - والأدق التنافس المشترك - لإيران، ويهم إسرائيل تعايش دول المنطقة مع احتلال دائم للأراضي الفلسطينية، وإذابة مكونات الشعب الفلسطيني في الجوار العربي. 

أما المصلحة الإيرانية فتكمن في تعزيز نفوذها في المنطقة كلاعب إقليمي له مصالح غير قابلة للشطب، بالاستناد لمليشيات طائفية كالحشد الشعبي، وكتائب الحق، وحزب الله، والحوثيين والنظام الأسدي ومليشياته وأجهزته. 

وإذا كانت تركيا العضو في الناتو غنية عن التعريف بمصالحها، فإن التعريف لا بد وأن يشمل المملكة السعودية التي انتقلت إلى البحث عن موطئ قدم ودور إقليمي عبر قوتها العسكرية الناشئة ومن خلال وكلاء من "فصائل إسلامية مسلحة" وقوى سياسية، وعبر الأموال التي تغدق على الولايات المتحدة دون حساب.

الحسابات الخاصة الأنانية الضيقة لدول التدخل والحرب على الإرهاب لا يهمها وجود أنظمة حكم مستبدة وفاسدة وقامعة إلى ما لا نهاية. 

بالعكس كان انحيازها حاسما لبقاء تلك الأنظمة التي تشكل ضمانة لبقاء مصالحها. لا يهمها ارتكاب مجازر وجرائم حرب بحق الأبرياء، لا يهمها شطب القانون، ولا يهمها انتهاك الحقوق والحريات، ولا يهمها تشريد الملايين ولا عودتهم، ولا يهمها حرمان آلاف التلاميذ من المدارس، ولا يهمها الخنق الاقتصادي الذي دفع بالسواد الأعظم من تلك الشعوب تحت خط الفقر، ولا يهمها إلا تحقيق مصالحها الضيقة حتى لوكان بثمن إرسال الشعوب التي تطالب بالتغيير إلى الجحيم. 

انتصارات في العراق وانتصارات في سورية ولبنان وليبيا وسيناء واليمن وانتصارات في أفغانستان. 

انتصارات قبرت المؤامرة، وانتصارات لأجل الانتصار الأكبر على إسرائيل، وكل موقف أو تساؤل حول الأسباب والنتائج يعدّ تشكيكا بالانتصارات، وجزءا من المؤامرة والمتآمرين.

الأيام الفلسطينية

اعتذار واجب إلى المجتمع العربي قبل الإسلام، إلى أبي لهب وامرأته حمّالة الحطب، وإلى أبي جهل وسائر عُبّاد اللات والعُزى ومناة الثالثة الأخرى، إلى نساء دوْسٍ إذ تضطرب إلياتُهن حول الصنم

اعتذار إلى صاحبات الرايات الحُمر على أطراف مكة، إلى كل من وأد الإناث خوفا من الفقر أو العار، إلى أولئك الذين كانوا ينصبون للحائض خيمة في الخلاء تقبع فيها كالدجاج حتى تنتهي حيضتها

اعتذار إلى نظام الهمجية التي كانت تُحكم بها قبائل العرب، إلى الذين كانوا يتناحرون على ناقة، إلى البسوس إذ أوقدت حرب الأربعين سنة، إلى جسّاس بن مرة إذ يغدر بكليب، وإلى أبي ليلى المُهلهل إذ يقود قومه إلى المهلكة عقودا، مناديا بثارات لا تنتهي.

اعتذار إلى آكلي الميتة ومن بعدها التحلية بصنم العجوة المعبود، إلى الذين عاشوا أذنابا للفرس والروم، نعتذر إلى كل هؤلاء.

نعم نعتذر إليهم لنعيد إليهم اعتبارهم، ونردُّ إليهم قِيمتهم التي ذهبت بمجيء الإسلام، نعتذر إليهم امتثالا لأمر صاحب القلم الرشيق رمز الإعلام الحر في بلاد الحرمين، فقد جادت قريحة الجهبذ بالسِّر الذي سيُمكّن العرب من تحقيق نقلة حضارية بعيدة.

يقول عبقريٌّ يرى نفسه مُلهما لجيل من المُتعبين :

"بدأت النهضة الأوروبية بإعادة الاعتبار للحضارة الإغريقية، وأعتقد أن بداية النهضة العربية هي بإعادة الاعتبار لفترة ما قبل الإسلام".

وهكذا أراد لنا الكاتب -( وأعتذر عن ذكر اسمه) -العودة إلى عروبة ما قبل الإسلام، وضرب بعرض الحائط تلك الحضارة العربية العظيمة التي كان الإسلام ركيزتها من بعد إشراقة شمسه، إلى الحد الذي جعل كبار المستشرقين والمفكرين والكُتّاب الغربيين، يعترفون ( بإنصاف ) بفضل حضارة العرب الإسلامية على أوروبا.

يا صاحب القلم الغارق في جحيم الهوان، هل قرأت "بناء الإنسانية" لـ "بريغولت" إذ يقول: "إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة. بل يدين لهم بوجوده نفسه".

وبعد أن قرّر بريغولت أن اليونانيين قد نظموا المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات دون أن يكون لهم أساليب للبحث ومناهج تفصيلية للعلم والملاحظة والبحث التجريبي قال: "ما ندعوه "العلم" فقد ظهر فى أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة ولطرق من الاستقصاء مستحدثة.. وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوروبى".

أما الفيلسوف الفرنسي "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب"، قال: هل يتعين أن نذكر أن العرب - والعرب وحدهم - هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني والعالم اللاتيني القديم ، وأن الجامعات الأوربية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمائة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث ، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ ".

المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" تقول: "إن أوروبا مدينة للعرب وللحضارة العربية، وإن الدين الذي في عُنق أوربا وسائر القارات للعرب كبير جدا. وكان يتعين على أوربا أن تعترف بهذا الفضل منذ زمن بعيد، لكن التعصب واختلاف العقيدة أعميا عيوننا وتركا عليها غشاوة".

بينما قال المستشرق "سبانسر فاميري": "لا يستطيع عالم واحد أن يتأمل القبة الزرقاء دون أن يلفظ اسما عربيا، ولا يستطيع عالم طبيعي أن يحلل ورقة من الشجر أو يفحص صخرة من الصخور دون أن يذكر درسا عربيا ".

ويقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية عن المسلمين العرب:

"...وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء، ..... وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة. وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظارا منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتوالاها القساوسة، كان لدى العرب علم طبي حق".

هل تريد المزيد أيّها النصف؟

يقيني أنك قرأت ذلك كله مرات، لكنك تطلق قدميك لريح ليبراليتك المشوّهة التي أعمتك وأورثتك حقدا على الإسلام.

فهل كانت تلك التجربة الحضارية التي استمرت قرونا طويلة بعيدة عن الإسلام؟

الواقع يشهد أن الأمة لم تتنكَّب عن طريق السباق الحضاري ولم تتخلف عن الأمم، إلا بعدما ابتعدت عن دينها وغرقت في مستنقع الأفكار الدخيلة والهويات المستوردة.

يا هذا إن كانت أوروبا قد ثارت على الدين ونبذته رغبة في التحرر والتقدم، فهم قد خضعوا لسيطرة رجال الدين والحكم الثيوقراطي الذي حجب نور العلم ووقف مانعا أمام إطلاق طاقات الإبداع والابتكار.

فكيف تريد استنساخ التجربة في بيئة غير البيئة وتربة غير التربة؟ كيف والإسلام قد جاء بمهمة الاستخلاف وإعمار الأرض، وأمر بالأخذ بأسباب القوة والحضارة وعدّها من صميم العبودية؟

أليس رسول الله هو القائل: (إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)؟

أليس هو من أمر بعض أصحابة بتعلّم اللغات الحية؟

أليس القرآن هو الذي حث على العمل والسعي؟

أليس هو الذي أطلعنا على الأبعاد الحضارية عن طريق قصة ذي القرنين ؟

أليس هو الذي علّمنا الصفات القيادية والإدارية من خلال قصة سليمان مع الهدهد؟

إلى هذا الحد وصل بنا الحال من إجحاف الإسلام وجحد فضله على العرب؟!!

نعم العرب كانت لهم مدنيات قديمة لها آثار ظاهرة، ولكنها كما يقول أمير البيان شكيب أرسلان كانت محدودة مقصورة على الجزيرة وما جاورها، وقد أتى على العرب حين من الدهر سادهم الغرباء في أرضهم، ولم يستقلوا استقلالا حقيقيا واسعا إلا بالإسلام، ولم تعرفهم الأمم البعيدة وتخنع لهم الممالك العظام والقياصرة والأكاسرة، وتتحدث بِصوْلتهم الناسُ إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إن كان الكاتب العظيم يريد نهضة للعرب فعليه الرجوع إلى قوانين النهضة ومقوماتها كما قرر علماء الاجتماع، أرنولد توينبي مثلا يتحدث في "مختصر دراسة التاريخ" عن العقيدة الدينية كجزء من نظام الاستيلاد الحضاري، ويؤكد على أن أي نهضة أو حضارة لابد وأن تقوم على العقيدة الدينية.

فإذا تقررت هذه الحقيقة لم يعد للعرب غير الإسلام كفكرة مركزية لأنه هو الذي شكّل هويتهم الثقافية عبر قرون.

الذين يحملون لواء العودة إلى عروبة ما قبل الإسلام والفينيقية والفرعونية وغيرها...، لم ولن يجدوا لها خيوطا يمكن أن تُشكّل ثقافة أو لغة أو تراثا، وإنما هي دعوات تمزيق للأمة الإسلامية التي اجتمعت تحت راية رسالة واحدة على اختلاف أعراقها وأجناسها وألسنتها.

 لعل أفضل سبل تطوير المجتمعات المحلية في الدول المتقدمة ترتكز في الأساس على الدور المناط بالمجالس المحلية التي تأتي لغايات تنموية بحتة تتعلق بخدمة المنطقة والقاطنين فيها، ومن هنا فإن تحديد متطلبات المناطق ورسم مخططاتها الشمولية ووضع التوجهات التنموية بل ومستويات الخدمات العامة من بنية تحتية ومرافق هي من صلاحيات البلديات والمجالس البلدية في جميع الدول المتقدمة. بل إن الخريطة الاستثمارية المناسبة لكل منطقة تأتي عبر قناة المجالس التنموية المحلية وليس من العواصم أو من صناع القرار السياسي
ومن هنا فإن السياسة العامة وتشريعاتها في دولة كالولايات المتحدة الأميركية تُصنع في واشنطن، في حين أن قضايا التنمية ومعيشة الأفراد وتنمية مجتمعاتهم هي من اختصاص المجالس المحلية، وهو الحال كذلك في دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول المتقدمة. فالمجالس المحلية والبلدية، مع اختلاف مسمياتها في تلك الدول، هي عصب اقتصاد الدولة وهي محرك التنمية والاستثمار في كل منطقة صغُرت أم كبُرت، وهي صاحبة الولاية في منح الرخص وفي تشجيع الاستثمار وفي توليد الوظائف وفي رسم الخريطة الاستثمارية وفي العديد من القضايا التنموية، فعمل تلك المجالس يندرج تحت المفهوم السائد لدينا. "أهل مكة أدرى بشعابها".
شاركت منذ ما يزيد على عامين في جهد هدف الى المساعدة على نشر ذلك الفكر القائم على ضرورة أن تقوم المجتمعات المحلية؛ أي المجالس البلدية في حالة الأردن، بدورها الحقيقي في التنمية المحلية وفي تطوير المناطق وفي وضع الخطط اللازمة لاستغلال الموارد الطبيعية والبشرية المتوفرة في البلديات وفي منح الدور المناسب لعنصري الشباب والمرأة في التنمية المحلية. وقد شاركت في مبادرات رعتها في حينه مؤسسة فردريك إيربت الألمانية لتوعية المجتمعات حول أهمية الجهد المحلي والدور المهم للشباب والمرأة في التنمية وفي تطوير المناطق، كما شاركت في الجهد الكبير الذي تُقدمه برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في هذا الصدد من خلال جولات في بعض البلديات لتقديم وجبة من التطبيقات مثلى لما تقوم به المجالس المحلية  ، والحقيقة التي تم اكتشافها أن حجم المسؤوليات التي تحملها المجالس المحلية في الولايات الأميركية بحسب الحالات العملية التي تم عرضها في تلك الجولات من قبل مختصين عملوا فعلا في مجال المجالس المحلية المُنتخبة يجعل المرء يؤمن تماما بفاعلية الدور التنموي للمجالس المحلية، ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى أن المجالس المحلية يساندها العديد من المتطوعين من أهل المناطق. وهؤلاء متطوعون من ذوي الخبرة والكفاءة والعلم، وهم يساندون المجالس بدون مقابل مادي ويضعون خبراتهم لخدمة مناطقهم وأبناء مناطقهم بدون قيد أو شرط.
الشاهد من ذلك كله أن المجالس المحلية ستكون فاعلة عندما يكون فيها من يرغب في العمل ومن يسعى الى خدمة المناطق ومن هو مؤهلٌ لخدمة تلك المناطق. وعليه ونحن في خضم الانتخابات البلدية المحلية اليوم علينا أن نكون صادقين مع مناطقنا الجغرافية المختلفة عبر المشاركة الفاعلة في الانتخابات من ناحية وعبر اختيار الشخص المناسب لخدمة المنطق الواعي لمتطلباتها التنموية القادر والراغب في تخصيص الوقت والجهد لخدمة التنمية المحلية فيها من ناحية أخرى. وخلافا لذلك يقع اللوم على كل من استطاع أن يقول كلمته في منطقته ولكنه تقاعس عن الذهاب الى صندوق الانتخاب أو انتخب على أسس بعيدة كل البعد عن الكفاءة والقدرة والرغبة في العطاء. الفرص لا تأتي دائما وفرصة المجالس المحلية التنموية في البلديات أمامنا فعلينا لا نضيعها أو نتقاعس عنها

 

منذ بداية الأزمة الخليجية، غرق المتابعون في طوفان من التسريبات والتسريبات المضادة؛ فكلُّ طرف يريد أن يكسب ودَّ الرئيس ترامب، بأن يثبت أنَّه بريءٌ من تهمة تأييد الإرهاب وأنّ الطرف الآخر هو المتهم، في خطوة كشفت الكثير من المخبوء والمستور.

وخلاصةُ ما ظهر من تلك التسريبات والتسريبات المضادة، هو أنّ بعضاً من الدول الخليجية قد تورَّط تورطًا مباشرًا في كلِّ الأزمات التي حدثت في الوطن العربي، من قتل وتدمير وثورات وانقلابات؛ وهذا لم يكن خافيًا على المتابعين، إلا أنّ هذه التسريبات أثبتت تلك التهم بما لا يدع أيَّ مجال للشك، ممّا يعني أنّ الأمر قد يكون له تبعاتٌ قانونيةٌ مستقبلاً؛ وهذا بدوره سيفتح بابًا آخر لابتزاز هذه الدول أكثر من الابتزاز الحالي، الذي يمارسه الرئيس الأمريكي، إذ أنّ الكلّ قد وقع في الفخ. فبعد أن تخفُت الأزمة الخليجية، سيتم فتح ملفات المحاسبة، وقد ينال المخطئون جزاءهم إذا لم يدفعوا، لأنّ أمر الابتزاز لا يقع إلا على الضعفاء؛ فلم نر مثلاً أنّ الرئيس ترامب ابتز كوريا الشمالية أو كوبا أو إيران، وإنما يبتز من يرى أنّه لقمة سائغة ويستأهل ذلك الابتزاز.

إنّ التسريبات الخليجية جعلت الدول الغربية، ومعها الإدارة الأمريكية، في حالة "دهشة حقيقية"، بسبب كم ونوع المعلومات الاستخبارية التي تُقدَّم لها، وتُثبت تورط الدول الخليجية في دعم وتمويل نشاطات أو جماعات إرهابية في المنطقة وخارجها؛ ومن ذلك ما نسبته صحيفة "رأي اليوم" إلى دبلوماسيٍّ غربيٍّ لم تسمه، من شعور الكثير من المسؤولين الغربيين الذين زاروا الدوحة أو أبوظبي أو الرياض بما وصفه "الصدمة الحقيقية" من حجم المعلومات الاستخبارية التي قدَّمها الخليجيون ضد بعضهم البعض. وطالت هذه المعلومات أزمات ومحطات إقليمية مثيرة ومهمة تخص مصر وليبيا والسودان واليمن وسوريا. ووصف هذا  الدبلوماسيُّ ما توفر من حصيلة استخبارية بأنّه مثيرٌ جداً للدهشة.

ولماذا لا تثير تلك المعلومات الدهشة؟. فما الذي جعل مثل هذه الدول تتدخل في ليبيا وتدفع أكثر من ثلاثة مليارات دولار للإطاحة بالعقيد القذافي؟ وما الداعي بأن تتدخل هذه الدول في سوريا، وهي – أي سوريا -  التي لم تتدخل في شؤون الآخرين؟ وماذا يضير هذه الدول إنْ حكم الإخوان المسلمون مصر وتونس وتركيا وغيرها من البلدان، خاصة أنهم وصلوا إلى الحكم عبر الصناديق؟ وماذا قدّمت هذه الدول من تضحيات في تاريخها لقضية العرب الأساسيّة وهي القضيّة الفلسطينية والمسجد الأقصى؟ وماذا إذا أقامت الدول العربية علاقات مع إيران أو تركيا؟ ألم يكن الأولى أن تهتم هذه الدول بالداخل وببناء الإنسان، وحماية الحريات لشعوبها، ومكافحة الفساد المالي المستشري فيها؟!، ألم يكن الأولى بهذه الدول أن تصرف هذه المبالغ الطائلة لشعوبها في الداخل، ولتحقيق التنمية في الوطن العربي، بدلاً من أن تذهب سدىً  في المؤامرات والحروب الوهمية المفتعلة، وكذلك إلى الموازنة الأمريكية؟!

إنّ ما تفعله الدول الخليجية الآن وما تقدّمه من معلومات استخباراتية ضد بعضها البعض هو أشبه بكونها تذبح نفسها وتقدِّم السكين الحادة إلى الجزّار، وهذا ملفٌ سوف يُفتح فوراً عقب انتهاء الأزمة القطرية؛ فهذه الأزمة في الأساس مفتعلة لأنّ سيد البيت الأبيض هكذا أرادها، وهو الذي وفى بوعوده الانتخابية عندما أعلن عن خطة "الأموال الخليجية.. مقابل البقاء"، عندما قال: "لا تملكون غير المال ولا وجود لكم بدوننا"، وهذا ما يفعله الآن بأن يعقد صفقات بمليارات الدولارات مع السعودية، ثم يتم مقاطعة قطر، فإذا قطر تعقد صفقات مماثلة مع أمريكا وتوقِّع معها اتفاقيات ضد الإرهاب، مما حيّر الكلّ، ولكن دون اتعاظ؛ فترامب ماض في تحقيق خطته لابتزاز الدول الخليجية، والدليلُ ما نشرته الخارجية الأمريكية عما أسمته بتورط الإمارات في شراء الأسلحة من كوريا الشمالية بمئة مليون دولار وإرسالها لليمن، وأنّها - أي الإمارات - لم تقم بدورها لمواجهة الإرهاب، بعد أن أصبحت مركزًا ماليًا لغسل الأموال وتهريب الأسلحة، وكذلك اتهام أفرادٍ وجهاتٍ سعودية في تمويل الإرهاب حول العالم "وبعلم الدولة السعودية التي لم تقم بواجبها لمنع التطرف". ورغم أنّ التقرير كُتب عام 2016، إلا أنّ توقيت نشره الآن، يدخل ضمن خطة الابتزاز؛ هذا غير الخبر الذي نشرته  صحيفة "واشنطن بوست" نقلاً عن مسؤولين في المخابرات الأميركيّة من أنّ الإمارات تقف وراء اختراق وكالة الأنباء القطرية ومواقع حكومية أخرى، وهو ما أدّى إلى اندلاع أزمة الخليج الحالية.

تُلقي دول الخليج بنفسها الآن إلى التهلكة، وليس معلوماً هل هذه الدول تعي ذلك أم لا؟، والشعوب مغيَّبة تماماً، فما عليها إلا أن تتبع الأنظمة كالقطيع. إلا أنّ السيء في الموضوع كله، أن تتحوّل القضية من اختلاف الحكومات إلى تحميل الشعوب تكاليف تلك الخلافات، وكذلك انتقال العداوة إلى الشعوب؛ فما يقرأه الإنسان عن التراشق بين الشعوب الخليجية يندى له الجبين، إذ أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحات لمعارك سب وقذف وشتم بين الشعوب الخليجية، مما يعمِّق الأزمة مستقبلاً؛ وهو ما أشار إليه الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر في كلمته المتلفزة يوم الجمعة 21 يوليو 2017، عندما قال: "آن الأوان لوقف تحميل الشعوب ثمن الخلافات السياسية بين الحكومات".

تشير قصة الضفدع والعقرب برمزيتها، إلى واقع الدول الخليجية بعد معركة نشر التسريبات. فيُحكى أنّ ضفدعًا كان يستعد لعبور النهر؛‏ وإذ به يجد عقربًا يطلب منه أن يساعده في العبور‏. فقال الضفدع: لماذا لا تعبر بمفردك؟ فأجابه العقرب: أنا لا أعرف العوم، ولكي أعبر النهر يجب أن تحملني فوق ظهرك حتى نصل سويًا. فقال الضفدع: ولكنك مشهور بأنك تلدغ كلَّ من تقابله، فهل يُعقل أن أسلمك ظهري وجسمي كله، وأين، في النهر؟! فلو لدغتني سأموت ونغرق معاً. فأجابه العقرب بثقة: لستُ غبيّا لأفعل ذلك، فحياتي بيدك! هنا اقتنع الضفدع ووافق أخيراً على مساعدته؛ وتسلق العقرب ظهر الضفدع وبدءا في العبور؛ ولكن في منتصف الطريق فوجئ الضفدع بالعقرب يغرس أرجله السامة في ظهره، فخارت قوى الضفدع، وبدأ الاثنان يغرقان تدريجيّا. وسأله الضفدع وهو يبكي: لماذا فعلتَ ذلك؟ ألم أقل لك إننا سنغرق معًا لو لدغتني، فأجابه العقرب: يا عزيزي أنا عقرب، وأنت تعرف ذلك، ولو لم ألدغك وأخدعك لما استحققتُ أن أكون عقربًا؛ فغرق الاثنان، فيما لم يستفد العقرب من غرقه، سوى إثبات أنّه عقرب.

لقد حدث الفجور في الخصومة، وتصرفت الدول الخليجية المُقاطِعة لقطر وكأنّ الأمر قد بلغ منتهاه، وأنّه لا التقاء بعد الآن مع الدوحة؛ وهذا بعيدٌ عن الدبلوماسية. والفجورُ في الخصومة وتدبيرُ المؤامرات صفةٌ خليجيةٌ أصيلة، كانت في الماضي لا تظهر في العلن كما ظهرت في الأزمة القطرية؛ فقد سقطت كلُّ الحواجز والخطوط الحُمر والقيم والأخلاق والتقاليد، لدرجة أنَّ من يقرأ صحف الدول الخليجية المقاطِعة الثلاث وعناوين صفحاتها الأولى يُصاب بحالةٍ من الغثيان شديدة. (ورغم بعض المآخذ على الإعلام القطري، إلا أنّه يُسَجَّل له أنّه لم ينزلق إلى حضيض الفبركات الكاذبة، أو الخوض في الأعراض والأنساب، كما فعل إعلام الدول المقاطِعة). وفي كلِّ الأحوال فإنّ هذه الدول قد وفَّرت لمخابرات الدول الغربية، كلَّ المستندات التي تدينها بدون أيِّ مقابل، وعليها أن تنتظر مزيداً من الابتزاز، فما تملكه هذه الدول من المبالغ في الصناديق السيادية يُسيل لعاب الكبار، في وقت نشاهد فيه عبر قنوات اليوتيوب شعوبًا خليجية تعيش في الأكواخ، وتقتات من التسوّل.

ستبقى التسريبات الخليجية خنجراً مسلطاً على رقاب هذه الدول، وهي أقرب ما تكون من قصة الضفدع والعقرب تمامًا، والكلُّ خاسر. وستوفر تلك التسريبات أرضية خصبة لمن يهتم بتاريخ المنطقة، بأن يؤرخ للدور المشبوه الذي قامت به هذه الدول في تشتيت المنطقة العربية لصالح الكيان الإسرائيلي، وبالتأكيد فإنّ التاريخ لن يرحم.

   * كاتب عماني

كاريكاتير

أغوار TV

 

الحياة في صور

أغوارنيوز | صوت الناس